الواقع الصحي في العراق من تدهورٍ إلى آخر

Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on whatsapp

علي الكرملي

واقعياً، وبلا رتوش، أو تجميل لصورة المنظومة الصحيّة في #العراق، فهي بائسة جداً، ,لا يغيب عن العراقيين ما يعانيه “النظام الصحي” من تدهورٍ لا يوقفه إلا (المُعجزة) وحدَها، لأنّ مستشفيات هذه البلاد، غير مؤهلة لاستقبال حتى مرضى “الزكام”.

فعلى مستوى نظافة المستشفيات، والمراكز الصحية مثلاً، تُهدي زائرها المريض، وباءً أكثر (كرماً) ممّا يعانيه، أمّا على مستوى “توفير الأدوية”، فغالباً المريض أمسى مُدركاً بأن خانة الصيدلية لا يتوفر فيها إلا القليل، وهذا القليل “غير موثوقٍ بصلاحيته” البتّة.

بِتعالٍ وفَوقيَّة

أمّا بخصوص تعاون الكوادر الطبيّة مع المرضى، فتقول “نوارة إياد”، وهي مواظبة على مراجعة المستشفيات، بحكم حالة (أُمّها) التي توفيّت منذ شهر،  تقول إياد، «ذاكَ بحثٌ مؤلم، أضحى أصحاب (الرداء الأبيض)، يُذكّرني هذا الاسم بـ “عصابة الرداء الأبيض”».

مُكملَةً لـ “الحل العراق”، «لأنهم أصبحوا كالعصابات، يفقدون إنسانيتهم شيئاً فَشيء، أغلبهم مهملين، وغير كفوئين، ويتعاملون معنا نحن المرضى، بـِ (تَعالٍ وفَوقِيّة».

وتختتمُ “نوّارة” حديثها بكثيرٍ من الحَسرَة والألَم، « صَدّقني، نحن نخرج من المستشفيات بلا مَرض بأعجوبة، وأكاد أُجزم، لو كان الفرد العراقي “مُرَفّهٌ مادياً”، لَما لجَأ البتة، لأي مستشفى عراقيّة، حتى لو خُدش إصبعه الصغير».

حديث “نوّارَة”، هو جزء من عشرات إن لم تكن مئات بل آلاف المراجعين العراقيين للمستشفيات الحكومية في #بغداد وبقيّة المحافظات، كل من يزور تلك المستشفيات لمراجعة صحيّة، ما أن يخرج منها، حتى يتفوّه بنفس كلام “إياد”، وهذا إن دلّ على أمرٍ، فهو يدل على سياساتٍ وتخبُّطات مُتراكمة في الواقع الصحّي العراقي، أودت به لهذه الحال.

تخبُّطات وقراراتٌ غير مدروسَة

وما يؤكد ذلك، هو حديث الموظفة في دائرة صحّة #الرصافة، “شيماء الكَمالي”، إذ تقول، «ما يمر به النظام الصحي في البلاد من تراجع خطير، هو نتيجة عدم وجود قيادة صحيحة لهذه المنظومة المهمة، وكذا نتيجة الفساد المتراكم منذ أكثر من /١٧/ عاماً».

«لأن كل من يجيء للوزارة، لا يهتم بتحسين واقعها، قدر ما يهتم بكَم سيحصل من مكتسبات وامتيازات وأموال هو وحزبه بعد أن يترك الوزارة عند انتهاء مدّة السنوات الأربع التي يقضيها في قيادته لدفّة الوزارة، وتلك هي الطامّة الكُبرى»، توضّح “الكمالي”.

وتُضيف لـ “الحل العراق”، أنّه «من أهم أسباب تراجع الواقع الصحي مثلاً، هو قلّة المستشفيات، إذ لم يتم بناء أي مشفى حكومي مثلاً منذ الثمانينيات وحتى لحظتنا هذه، وقتها كان عدد سكان البلاد لا يتجاوز /١٠/ ملايين نسمة، اليوم تجاوز /٤٠/ مليون نسمة».

«في بغداد مثلاً، كانت هناك /٢٩/ مستشفى في الثمانينيات، وقتها كان سكان العاصمة لا يتجاوز المليون ونصف المليون نسمة، اليوم وصل عدد سكان العاصمة نحو /٨/ ملايين نسمة، وعدد المستشفيات الحكومية هو ذاته /٢٩/ فقط، وهذا يؤدي إلى زخم شديد على المستشفيات، مما يتسبّب في نقص “الأسِرَّة” مُقارنةً بعدد المرضى».

“الكَمالي”، تنوّه إلى نقطة “القرارات غير المدروسة”، وتضرب مثلاً في ذلك بقولها، «أقرب مثال، هو قرار خفض سن التقاعد إلى /٦٠/ عاماً، وهذا قرار كارثي؛ لأنه في مشفى “الشيخ زايد”، مركز الرصافة، يوجد فقط ثلاث أطباء للعمليات الباطنية، تتجاوز أعمارهم الـ /٦٠/، ممّا تسبّب في غلق قسم كامل للعمليات، ومن الصعب تعويضه لقلّة الكوادر الطبية».

كِتابٌ وإحصاءات

تعقيباً على تلك المقدّمة التفصيليّة، لا يجب مغادرتها دون ذكر، ما جاء في كتابٍ لوزير الصحة السابق، والمستقيل “علاء العلوان” الذي صدرَ في (آيار/ مايو) العام المنصرم، تحت عنوان “الوضع الصحي في العراق.. التحديات وأولويات العمل» الذي تطرق فيه إلى كثير من الأمور المتعلقة بصحة المواطن العراقي والأمراض التي تصيب عموم الناس في العراق.

حيثُ أشارَ التقرير إلى، أن «سوء توزيع الطاقات الطبية على جميع محافظات العراق وتمركزها في مناطق محددة، ساهم في تدهور البنية الصحية على مدى سنوات طويلة، كما لعب الفساد المالي وسوء استخدام الأموال دوره في إضعاف الخدمات الصحية، أما تلوث الماء والهواء فقد زاد من انتشار الأمراض المعدية في المجتمع العراقي».

وعلى ذكر الأمراض المعدية، وبالتحوّل من محور المستشفيات والكوادر الطبية، إلى الشريحة التي تعاني من كل ذاك الذي ذُكِرَ فَوقاً، وهي شريحَة المرضى، فإن أكثر الأمراض التي تواجه صعوبات جمّة في التعاون والتعامل مع المستشفيات هم فئة “الأمراض السرطانية”، والتي تنتشر بكثرة في العراق.

ففي إحصائية لـ #الناصرية وحدها مثلاً، فإنه منذ عام 2012، يوجد في تلك المحافظة  /4250/ مصاباً بالسرطان، في آخر إحصائية لمركز الأورام السرطانية في محافظة #ذي_قار، بمعدل إصابات تصل إلى /900/ سنويا، مع وفيات بنحو /500/ حالة.

أمّا في عموم العراق، فإنه وبحسب حديث سابق للمتحدث باسم #وزارة_الصحة، “سيف البدر”، مع “الحل العراق”، أوضح، أن «رصد الوزارة للحالات المصابة بالسرطان، تشير إلى تسجيل /20/ ألف حالة مصابة بالسرطان، خلال عام (2018) وحده».

فيما تُشير إحصاءات “مجلس السرطان في العراق”، إلى أن «حالات السرطان ازدادَت بشكل لافت بين عامي (١٩٩١ و ٢٠١٦)، حيثُ كانَت عدد الإصابات بنحو (5720) بمعدل (٠٥ .٣١ ٪) عام ١٩٩١، فيما ارتفعت إلى (٥٥٦ .٢٥) وبمعدل (٠٤ .٦٧ ٪) عام ٢٠١٦، لكل /١٠٠/ ألف نسمَة.

مشاريعٌ وتَبريرات

عن تلك الأرقام وازديادها، تقول الطبيبة في “مستشفى ابن البلَدي” ببغداد، “سُرى الحامد” وهو (اسمٌ مستعار)، إلى أن «ذلك يعود على المجتمع نفسه؛ لأن المرضى لا يُراجعون للفحص منذ أول شعورهم بآلام».

«إنّما يُراجعون مع اشتداد الألم، وحينها يكون المرض قد وصلَ إلى درجات كبيرة، وحينها من الصعوبة بمَكان إمكانيّة معالجته حتى بالمواد الكيميائية»، تُضيف “سُرى الحامد” في حديثها مع “الحل العراق”.

وهُنا إن كان من قَولٍ يُذكَر على تبرير تلكَ الطبيبَة، فإنه يمكن القول، بأن ذلك يعود على وزارة الصحة نفسها، نتيجَة عدم قيامها بالتوعية الصحيّة الكافية للمجتمع وتشجيعه على المراجعة والفحص المبكّر، هذا ناهيكَ عن عدم توفير بطاقة الضمان الصحي للفرد العراقي، من أجل الفحص الدوري والشامل، كما هو معمول به في كافة أنحاء العالم.

وعن هذه الأخيرة، يقول عضو “لجنة الصحة النيابية”، النائب “جواد الموسوي”، إن «بطاقة الضمان الصحي لم يتم العمل بها إلا منذ سنوات أربع، والعمل فيها حَصراً على القطاع الخاص، كما “شركة زين للاتصالات” مثَلاً، مع بعض الوزارات التي تؤمّن ذلك، كوزارتَي “الدفاع والداخليّة” اللائي يوفّرن لمنتسبيهم تلك البطاقة».

ويُضيف لـ “الحل العراق”، «قرّرنا العمل على توسيعها لتشمل كل العراق، وبدأنا بالخطوات الجدية نحو ذلك، بتخصيص كل شريحة من شرائح المجتمع بالاتفاق مع شركات مختصّة، بحيث يتم توفير الضمان الصحي لهم، بما يمكن أخذه من مرتّبه الشهري، بحيث لا يؤثر عليه بشكل كبير».

مُستدركاً، «لكنّنا لم تمر سنة واحدة على برلماننا الجديد، حتى طرأت على الأفق التظاهرات الشعبية، التي أجّلَت كل شيء، وصار شغل مجلس النواب الشاغل والحكومة هو كيفية حل مشكلة الاحتجاجات، وتحقيق مطالب المحتجّين، لذلك أُجّل هذا المشروع إلى ما بعد التظاهرات».

هكذا هو الوضع، وهكذا هو الحال في العراق، واقعٌ صحّي مُزري، ولا خدمات ملموسة لدى المرضى، ولا مستشفيات كافية، ولا نظافة جيّدة، ولا حتى أدوية بالقدر المطلوب، وهذه الأخيرة التي تتوفّر لولا أن بعض دول الخليج تتبرّع بها لبلادٍ أينما تحط قدمك فيها تجِدُ نَفطاً، لما كُنت ستجد أدوية للأمراض المُزمنَة البَتّة.


علق على الخبر