كيف تعتمدُ إيران على الشّيعة لتوطيدِ نفوذها الإقليمي؟


ترجمة خاصة- الحل العراق

تعتمد #إيران على شبكة من التحالفات أسستها في المنطقة مع حركات شيعية متباينة توحّدها براغماتية الجمهورية الإسلامية أكثر من الدين.

وباغتيال #قاسم_سليماني وجهت #الولايات_المتحدة ضربة قاصمة لإيران فيما يخص نفوذها الإقليمي. فهذا الجنرال الأسطوري في عيون الإيرانيين والكثير من الشيعة، كان قائداً لـ #فيلق_القدس وهي وحدة النخبة في #الحرس_الثوري ويد إيران الحديدية في الشرق الأوسط.

وفي إيران، شيعت جنازته في العاصمة الحشود التي أتت لتكريمه. لكن تأثير هذا الرجل عبر حدود بلاده ففي #العراق خرج الآلاف من الشيعة إلى الشوارع للتنديد بمقتله والإعلان عن كراهيتهم لأمريكا.

بينما حشد #حزب_الله اللبناني مؤيديه للخروج إلى الشوارع للتعبير عن حزنهم وغضبهم في الآن معاً. وحتى أن أحد قادة #حركة_حماس (السنّية) قد سافر إلى إيران لتقديم واجب العزاء بهذه الشخصية الإيرانية المرموقة.

فقاسم سليماني كان مهندس السياسة الخارجية الإيرانية في #الشرق_الأوسط وهو الذي كان ينسق بين المليشيات والأحزاب والمؤيدين من جميع الأنواع والذين يدورون في الفلك الإيراني.

ففيلق القدس هو من يوفر الأسلحة وهو من يدرب ويحضّر التشكيلات المتحالفة مع الجمهورية الإيرانية. وهذا الحشد الشيعي، والذي يتم تخيله في بعض الأحيان كدولة شيعية داخل الدولة تعارض كتلة سنية مزعومة، هو في الواقع مجموعة من المنظمات مندمجة إلى حد ما في استراتيجية النفوذ الإيراني.

حيث يعتمد هذا الحشد بشكل أساسي على المجموعات المنبثقة عن الجماعات الدينية الشيعية (حوالي 10٪ من المسلمين في العالم)، ولكن ليس فقط على هؤلاء يتم الاعتماد في السياسة الخارجية الإيرانية.

“أرخبيل” الحلفاء

منذ عام 1979، لم يكن مشروع الثورة الإسلامية الإيرانية وكذلك الجمهورية التي تلت ذلك مشروعاً طائفياً. حيث زعمت إيران أنها قائد الوحدة الإسلامية ضد أعدائها، أي الغرب أولاً وقبل كل شيء الولايات المتحدة وإسرائيل.

لكنها وبمعارضتها للعراق السني الذي كان يتزعمه #صدام_حسين ودعمها للنظام العلوي لحافظ الأسد سرعان ما أفشلت رهانها الإسلاموي الجامع. وبذلك انطوت إيران وتحولت إلى “العزلة الشيعية”، بحسب تعبير العالم السياسي أوليفر روي في كتابه “فشل الإسلام السياسي”، لتأمين شبكة من التحالفات.

واليوم، يعتنق معظم حلفاء إيران المذهب الشيعي. وقد أدى إطاحة نظام صدام حسين وإقامة سلطة شيعية مكانه، إلى جانب التحالفات القديمة لإيران مع حزب الله اللبناني والنظام العلوي لأسرة الأسد، إلى شجب #الملك_عبد_الله ملك #الأردن عام 2004 تأثير ما سماه بـ #الهلال_الشيعي تحت وصاية إيرانية.

ومع ذلك، فإن هذا المفهوم، الذي يستخدم الآن على نطاق واسع، لا يزال يرفضه الباحثون بشكل واسع. حيث يقول فانسن إيفلينج، الباحث في جامعة بروكسل الحرة:: «لقد كنت اعتبر دائماً أنه لم يأخذ في عين الاعتبار ما يكفي من الخصائص السياسية والاجتماعية والوطنية وحتى الدينية».

والمجتمعات الشيعية ليست متحدة جميعها خلف إيران. ففي العراق، وهو بلد شيعي بنسبة 60 ٪، يمثل آية الله السيستاني أعلى سلطة دينية في البلاد ويقدم صوتًا مختلفًا عن صوت ملالي إيران.

بالإضافة إلى ذلك، يتمسك الشيعة العراقيون بقوة بالقومية العربية، والعديد من الحركات الشيعية العراقية تظهر عدائها لإيران، مثل الحركة الصدرية التي ينتمي إليها #مقتدى_الصدر ذات الشعبية الكبيرة.

وفيما يخص “الهلال الشيعي”، يفضل عالم الجغرافية برنارد هوركيد مصطلح “أرخبيل الحلفاء”، الذي يستبعد أي استمرارية إقليمية ويزيد من خصوصية الدعم.

فإذا كانت الشيعة بشكل أساسي هم من يدعم الجمهورية الإيرانية، فإن العامل الديني ليس هو السائد، خاصة وأن من بين هؤلاء المؤيدين هناك أيضًا مسيحيون في أرمينيا، والسنة الطاجيك في #أفغانستان وقسم لا بأس به من الأكراد في العراق.

ويجمع هذا “الأرخبيل” جهات فاعلة مختلفة وإن اختلفت درجة تكاملها. ويشكل حزب الله اللبناني “جوهرة هذا الأرخبيل”، بحسب هوركيد في مقال نشره في صحيفة لوموند الديبلوماسيّة، وذلك من خلال صواريخه التي يبلغ عددها 130 ألف صاروخ وميليشيا محنكّة لاسيما بعد مشاركتها في الحرب السورية.

وقد تأسس هذا الحزب في عام 1982 خلال #الحرب_الأهلية اللبنانية بدعم من إيران، ويعتبر من أقوى أدوات إيران لاسيما في مواجهة إسرائيل.

وفي العراق، ميليشيات #الحشد_الشعبي ومن بينها كتائب حزب الله هي النظير العراقي لحزب الله اللبناني. وهذه الميليشيات قوية ولا يستهان بها، حيث تم نشر 10000 رجل منها في كل من العراق وسوريا وبأوامر مباشرة من #الحرس_الثوري الإيراني. وقد قتل زعيمها أبو مهدي المهندس مع قاسم سليماني بالضربة الأميركية.

أما في الخليج، فإن القوة الضاربة لحلفاء إيران أضعف بكثير، كما هو الحال في أفغانستان حيث الأقلية الشيعية الهزارة هي حليف هامشي محلياً.

بينما في #اليمن والتي غالبًا ما تظهر على أنها مسرح للمواجهة بين السنة والشيعة، فإن المساعدات الإيرانية من أسلحة وتدريب تبدو منتظمة، لا بل أنها في تتزايد مستمر.

سياسة خارجية واقعية

إن السياسة الخارجية لإيران تتحدد باهتمامها بالحفاظ على الوطن والدفاع عن مصالحها أكثر من اهتمامها بالدفاع عن الشعوب الشيعية في العالم.

وإن كانت إيران قد أجبرت على هذا الخطاب، فإنه لتعبئة الجماهير في المقام الأول، خاصة في سوريا، حيث كان تدخل فيلق القدس بدعم من حزب الله اللبناني وحزب الله العراقي والميليشيات الأفغانية. وتم تبرير هذا التدخل رسميًا بالدفاع عن الأماكن المقدسة للشيعية في سوريا.

ومما لا شك فيه أن أعدادًا من الميليشيات الموالية لإيران تُظهر تمازجاً أيديولوجياً مع إيران، حيث تعترف هذه الميليشيات بالوصاية الدينية.

فحزب الله اللبناني، كما كتائب حزب الله العراقي، يعترف بعقيدة #ولاية_الفقيه التي طورها آية الله #الخميني في إيران. وهذا المصطلح في الشريعة الإسلامية يعطي رجال الدين الأولوية على السلطة السياسية، وتعتبر هذه الميليشيات آية الله خامنئي مرجعاً تقديرياً ملهماً لها.

لكن، وبحسب لورنس لور، أستاذة مشاركة في العلوم السياسية والمتخصصة في الشيعة، فإن «الأيديولوجية الدينية باتت تلعب دوراً أقل أهمية شيئاً فشيئاً. والأهم من ذلك كله هو إضفاء الشرعية على الحوافز التي تحرك المصالح الأساسية».

فالعديد من الحركات الشيعية المدعومة اليوم من قبل إيران كانت موجودة قبل الجمهورية الإسلامية حتى، كما هو الحال في أفغانستان أو الخليج. وهذه الحركات تطلب المساعدة الإيرانية لتقوية نفسها،

بينما تغتنم إيران الفرصة لتوثيق نفوذها وتقوية سياستها الخارجية هناك. حيث يرى ماتيو بوكستون، متخصص في الجماعات الإسلامية، بأن إيران «تستخدم الجماعات المحلية لتجنب التورط مباشرة في الدول الأخرى وبتكلفة منخفضة. فهذه الميليشيات هي الضامن لسياسة النفوذ الإقليمي للجمهورية الإيرانية».

وتشكل هذه السياسة الخارجية استثماراً كبيراً للبلاد، ولكنها تواجه في الوقت ذاته معارضةً متزايدة من قبل المجتمع الإيراني والذي يطالب بإصلاحات داخلية وإعطائها الأولوية.

لكن وبحسب لورنس لور، فإنه «يجب عدم إعطاء هذه المسألة أكبر من حجمها». وإن كانت إيران تطلب من حلفائها شد الحزام، فإن العديد منهم مع ذلك لديه مصدر دخل كبير ويبدو أنه من التمويل الذاتي، تلاحظ الباحثة.

حيث تستشهد هذه الأخيرة بمثال العراق، حيث تسيطر الميليشيات الشيعية على الحدود العراقية السورية وكل ما يتعلق بالتجارة والتهريب على هذه الحدود، وبالتالي فهي تسيطر على أجزاء كثيرة من الاقتصاد.

عام 2011  نقطة تحول في النفوذ الإيراني

منذ عام 2011، اكتسبت إيران نفوذاً إقليمياً لا مثيل له وأصبحت قوة لا يمكن إنكارها في الشرق الأوسط. «في عام 2011 ، تغيرت الأمور» تؤكد لورانس لور. فإيران لم تعد تتبع سياسة الدفاع عن المقدسات فحسب، وإنما انتهز الإيرانيون الفرصة وأرادوا أن يكونوا قوة إقليمية.

إن انسحاب جزء كبير من #القوات_الأميركية من العراق عام 2011 والحرب ضد #داعش سمحت للإيرانيين بالاستثمار في مسارح العمليات السورية والعراقية، سواءً مباشرة بإرسال قوات من فيلق القدس أو بشكل غير مباشر من خلال الاعتماد على وكلاءها (حزب الله والميليشيات الشيعية العراقية والأفغانية على وجه الخصوص).

ففي العراق، تشكل الميليشيات الموالية لإيران مثل كتائب حزب الله و #منظمة_بدر تأثيراً كبيراً. حيث ترى المتخصصة العراقية مريم بن رعد بأن كتائب حزب الله العراقي “هي دولة حقيقية داخل الدولة”.

فهذه الميليشيات مندمجة بالكامل في استراتيجية إيران الإقليمية: كتائب حزب الله تسيطر على الحدود مع سوريا، وتوفر صلة الوصل البرية بين إيران وسوريا. وهي ذات الميليشيات التي ضربت القواعد الأميركية بصواريخها والتي هاجمت #السفارة_الأميركية في أواخر شهر كانون الأول من العام 2019.

ويرى الباحث الأميركي مايكل نايتس أن كتائب حزب الله هي التي أطلقت الطائرات بدون طيار على محطتي الضخ السعوديتين في الرابع عشر من شهر أيار الماضي من قاعدتهم في #جرف_الصخر في الضواحي الجنوبية لبغداد.

ومن خلال الرد على اغتيال الجنرال قاسم سليماني من خلال ضربات باليستية أطلقت من أراضيها، اختارت #طهران أن تتحمل المسؤولية المباشرة عن الضربات دون الاعتماد على وكلاءها. وقد كانت الرمزية قوية وحاضرة في هذه الضربة. فبرنامج الصواريخ  الباليستية الإيرانية هي من اختصاص الحرس الثوري الإيراني، وكان سليماني قائداً ومشرفاً عليها.

ومع ذلك، فقد أصيبت الميليشيات الشيعية العراقية في رأسها. فأبو مهدي المهندس، أحد القادة الرئيسيين للحشد الشعبي، قُتل في نفس الوقت الذي قُتل فيه قاسم سليماني. والميليشيات الإيرانية تنوي الانتقام لموته كذلك.

 

ترجمها موقع الحل عن صحيفة (Le Figaro) الفرنسية- بتصرّف

تحرير- فريد إدوار


 


التعليقات