صورَةُ إيران عند العراقيين.. انتفاضَةُ تشرين أجهزَت على خيط التودّد كُليّاً

Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on whatsapp

أصرَّت طهران على عنادها وتزمُّتِها وعدم إذعانها لأهميّة الشعب، فزادَت من صورتها الظلامية في أعين العراقيين، وبالغت في انتهاك السيادة الوطنية وقتلَت أكثر من /٦٠٠/ شاب وشابة من أبناء وبنات الانتفاضة عبر أحزابها، حاولت إنهاء الاحتجاجات بكل أساليب القمع، أعلنَتها صراحة على فم #خامنئي أن ما يحدث في العراق، ما هو إلا فوضى، يجب ردمها.

————————————————-

علي الكرملي

كانَت صورة #إيران (جيدة) عند العراقيين في الستينيات والسبعينيات، بخاصة السبعينيات، كان ذلك وقت الحكم البهلوي (الشاه) لطهران. صحيحٌ أن هناك بعض المناوشات تحدث بين فينة وأخرى، إلا أنها سُرعان ما تتلاشى.

ما يُدَلّلُ على عمق المودَّة والمحبَّةَ بين البلدَين في ذلك الوقت (السبعينيات)، أن كلا البلَدَين أفكارهما علمانية، وفي ازدهار على كافة الأصعدة، وما يُزيدُ من دلالة المودّة تجاه إيران، أن #إذاعة_بغداد كانت تبث باستمرار الأغاني الإيرانية على موجتها، بخاصة للمطربة ”گوگوش“.

“گوگوش” التي كانَت مُلهِمَةَ العراقيين آنذاك، وهي سبب رئيس في حب أهل #العراق لإيران التاريخ والحضارة. لكن ولأن دوام الحال من المُحال،  جاءَت #الثورة_الإسلامية في العام الأخير من عقد السبعينيات (١٩٧٩)؛ لتُنهي على علمانيّة وتمدّن إيران.

ما أدى إلى تشجيع أحزاب الإسلام السياسي في العراق على تمردها، وتأسيس مقراتها هناك في #طهران لمحاولة جعل العراق كما طهران، حكمٌ إسلامي، لا يدع المجال للتمدن في بغداد، ما أودى بـ #صدام_حسين إلى الدخول في معركة طاحنة أكلَت الأخضر واليابس طيلة سنوات ثمان.

يمر الزمان والصورة ذاتها

منذ ذلك الحين، وصورة إيران تنحدر وتزداد انحداراً عند العراقيين، /٤٠/ عاماً والعراقيون يتنمرون من إيران النظام – لا الشعب – نتيجة سياساتها في الداخل العراقي. «مرَّت السنون، وتغيّر نظام بغداد، وجاءت أحزاب الإسلام السياسي إلى دفّة الحكم، وجاء #داعش وانتهى، وما زلنا نكره إيران».

بتلك الكلمات القليلة، التي لخّصَت مسيرة عقود أربع من النميمة العراقية (منذ الثورة الإسلامية) تجاه حكم الفقيه، افتتح الكاتب العراقي ”سردار أمين“، وهو (اسمٌ مستعار) حديثه مع ”الحل العراق“. «يستمر كرهنا لها لأنها هي من تدخّلَت فينا، ولم تتركنا وشأننا»، يقول سردار.

نعم، لم تترك طهران #بغداد بحالها، كيف تتركها، وهي التي وجدت من وصول الأحزاب المشابهة لفكرها، والتي تأسست في أرضها إلى دفة الحكم بعد ٢٠٠٣؟ فرصةٌ ذهبية للسيطرة على العراق وجعله تابعاً لها، وهو ما فعلته (وتفعله) طيلة عقد ونيّف من الزمان.

«لو أنها دخلَت بلادنا كما بقيّة البلدان على أساس الدبلوماسية والمصالح فقط؛ لَما نفرنا منها، لكنها أنهكَتنا، ذبحَتنا، جعلَت من بلادنا حديقةً لها، وسوقاً لتصريف خرابها، أنهَت مصانعنا، قتلَت زراعتنا، خلقَت ميليشيات مسلّحة تفتك بنا»، كل ذلك كفيل بجعل أي إنسان أن يحقد أبدَ الدهر تجاه هكذا دولة مُعادية، بحسب سردار.

مُقارناتٌ ونماذج

في فقه العارفين، تسعى الحكومات إلى كسب ود الشعوب نحوها، وكسب الشعوب، هو إحدى أساليب (العلاقات العامة الدولية) التي تقوم بها الحكومات تجاه شعب بلد ما، عن طريق العديد من الأمور، ليس آخرها القيام بحملات تسوّق لحُب/ تضامن حكومة تلك البلاد مع شعب تلك الدولة.

لنأخذ #السعودية وقطر كنموذجين مثلاً، كلتا الدولتَين، كانَتا ما أن يُسمَعَ اسمَهُما عند العراقي إلاّ وتنمّرَ منهما، وراح ينعتهما بأبشع الكلمات والأوصاف، هذا في فترة الحرب مع القاعدة، والحرب الطائفية، بالتحديد (٢٠٠٦ – ٢٠١٠)، لماذا؟ لأنهما تورطتا في زج الإرهاب في العراق، وتخريبه.

ماذا فعلَتا لتغيير الصورة النمطية السلبية السائدة عنهما عند العراقي؟ اتخذتا العديد من الخطوات. لنبدأ بالسعودية، قامَت #الرياض في السنوات القليلة الماضية، بالتحرك نحو إعادة صورتها مع بغداد، ذهبَت بمُنتخب بلادها لـ لعب مباراة كرة قدم في #البصرة لأجل رفع الحظر الكروي عن العراق.

سبَق المباراة بأيام، تسويقٌ وتحشيد لا نظير له، عبر حملة تحت وسم ”#دارَك_يالأخضَر“، نجحَت في ذلك، ثم قامَت بإهداء ملعب للعراق، ثم شاركَت في معرض بغداد الدولي، بعد مقاطعته لأكثر من /٢٠/ عام، ثُمَّ آخرها إطلاقها لمحطة (mbc العراق)، كُل تلك الخطوات، نجحَت من خلالها السعودية، في خلق صورة إيجابية عنها عند العراقيين، وانتشال الصورة السوداوية منهم.

هذا فيما يخص الرياض، أما #الدوحة فاتجهَت لاحتضان منتخبات العراق في أراضيها بالمَجّان لعديد السنوات، قامَت بنقل وبث مباريات الدوري العراقي وتسويقه وترويجه عربياً عبر محطاتها القطرية، تبرَّعَت بإعادة إعمار #مسرح_الرشيد وقامَت بعقد ورش تدريبية لطلبة إعلام بغداد، في أرض الرافدَين.

سمحَت للكثير من الشباب، في الكتابة بمدونات الجزيرة، جاءَت للمشاركة في بطولة رباعية في #البصرة لدعم رفع الحظر الكروي، احتضنَت العراقيين من الرياضيين والإعلاميين المعروفين في برامجها، وأخيراً إعلانها عن تأسيس برنامج رياضي عراقي يبث عبر إحدى محطاتها القطرية، كل تلك الأساليب أدَّت نحو تغيير وجهة نظر العراقي تجاه الدوحة.

عدم الدراية وقلَّة الذكاء

على غرار كل ما ذُكِر، ما الذي فعلَتهُ طهران؟ سلكَت الاتجاه المُعاكس كُلياً، كيف؟ «قامَت إيران بترسيخ المظلوميَّة الشيعيّة في ذهن شيعة العراق، وتكريس سياسة المؤامرة التي تُحاك ضدهم من قبل دولة (الشيطان الأكبر) وسعيها لسحب الحكم من ساسة الشيعة».

هكذا قال ”رامز مُحَمَّد“، استاذ العلاقات العامة في كلية إعلام بغداد، وهو (اسمٌ مُستعارٌ) طبعا، فيما أضاف، «هذا غير استغلالها لفتوى #مرجعية_النجف بالتطوع لمقاتلة داعش، وتشريعها لميليشيات مسلحة سيطرَت على زمام الأمن في البلاد، لكن من ناحية الترهيب لا التطمين».

مُحَمَّد يحكي لـ ”الحل العراق“، «لو أن حكام طهران لديهم دراية بأساليب العلاقات العامّة، ولو أنهم على قدر كافٍ من الذكاء، لَما فعلوا كل ذلك، لأن كل خطواتهم تلك قد نُسِفَت، وصارَت صورتها في الحضيض عند العراقيين، لكنها لم تفكّر للمدى البعيد، وتلك هي نتيجة من لا يفكر إلا بالحاضر».

اليوم، وبعد انطلاق احتجاجات تشرين المستمرة حتى الآن من قبل العراقيين، كانَت هُنالك فرصة ذهبية لإيران في استغلالها، وإعادة رسم صورتها لدى #الشعب_العراقي وتحويل مسار كرههم منها نحو تودّدهم لها، وبأساليب كثيرة، لكن ما الذي فعلته؟

أجهزت على نفسها بعد الانتفاضة

أصرَّت طهران على عنادها وتزمُّتِها وعدم إذعانها لأهميّة الشعب، فزادَت من صورتها الظلامية في أعين العراقيين، وبالغت في انتهاك السيادة الوطنية وقتلَت أكثر من /٦٠٠/ شاب وشابة من أبناء وبنات الانتفاضة عبر أحزابها، حاولت إنهاء الاحتجاجات بكل أساليب القمع، أعلنَتها صراحة على فم #خامنئي أن ما يحدث في العراق، ما هو إلا فوضى، يجب ردمها.

تصرفاتها تلك أجهَزَت على كُل ما تبقى من تودُّدٍ نحوها، وقضى على كل صور الأخُوَّةِ معَها عند أبناء #الطائفة_الشيعية التي تتعكّز عليها إيران، ووَحَّدَت كل الصفوف في الترديد بالعديد من الأهازيج الرافضة لها في ساحات الاحتجاج.

تقول ”ديانا علي“، شابَّةٌ مُحتَجَّة، «لم نعد نطيق حتى التلفظ باسم إيران، من فرط كرهنا لها، لا نُريدُها معنا، ولا نريد مساعدتها لنا في مشاكلنا، لم ولن نرضى عنها، طالَما هي مستمرةٌ في سياستها الحالية، ولا نرجو الخير منها ما حيينا».

مُستدركَةً في حديثها مع ”الحل العراق“، «نحن ليست لدينا مشكلة مع شعب إيران، على العكس، نحترمه ونحبُّه. مشكلتنا مع حكومة الفقيه، وتدخلها بشأننا، وانتهاكها لسيادة بلادنا، لقد احترقَت صورة إيران نهائياً عندنا بعد الثورة».

وعلى ما يبدو، أن الصورة النمطية السلبية السائدة عند العراقيين تجاه طهران لم ولن تتغيّر، طالَما بقيت إيران على تصرفاتها في انتهاك السيادة العراقية، وإن كانَ من تغيير في صورة العراقي نحو إيران، فذلك لم ولن يحدث إلاّ في حال تغيّر النظام الإيراني الحاكم، وطالَما ذلك من الإعجاز في الأفق القريب، فإن صورة طهران ستبقى سلبية محضة في عيون العراقيين.


علق على الخبر