رصاصةٌ «مجهولة» تنتقم من المُتظاهرين.. تاريخ قناصٍ مُلطّخٍ بالدم

فريد إدوار

«قناصٌ مجهولٌ مُتمركزٌ فوق أسطح إحدى البنايات ويستهدف المتظاهرين»، كانت هذه العبارة، هي الشبح الذي يطارد المُحتجين في جميع البلدان العربية  التي شَهِدت تظاهراتٍ شعبية لإسقاط الحكومات.

في العراق الذي شهِدت شوارعه، حواريه وساحاته، منذ الأول من اكتوبر تشرين الأول، صيحةً مدويّة تطالب بإسقاط الحكومة، لم يكن القناص الشبح غائباً عنها على أيّة حال، ذات العبارة وذات التهديد كان حاضراً في قلب بغداد حيث ساحة التحرير ومدينة الصدر، الناصرية والبصرة.

تحذيرٌ من لا شيء، فقط تهديدٌ بعدم الإقدام على التظاهر والتقدّم أكثر باتجاه المحظور وتجاوز الخطوط الحمراء التي يرسمها القناص الشبح برصاصته الحيّة التي تُميت كلّ حي.

أكثر من /100/ قتيل ونحو /6/ آلاف جريح، بحسب وزارة الداخلية الاتحادية، كانت حصيلة القمع المفرط ضد المتظاهرين السلميين، «معظم تلك الحالات سجّلت إصابات مباشرة في الرأس أو العين أو القلب أو في الأطراف السفلية معظمها قد تتسبب بعاهةٍ دائمة» يقول الناشط العراقي “عبد الله الأكدع”.

تلك الإصابات يؤكّدها الناشط العراقي على أن سببها «رصاصة قناص يستعجل إنهاء مهمته وكتم أصوات المُحتجين».

مقاطع فيديو كثيرة ظهرت للعيان في (سوشيال ميديا) تكشف ما حصل في العراق، وما يحصل لمتظاهريه ولأصواتهم التي أُسكتت إما برصاصةٍ علنية، أو بزناد قناصٍ شبحٍ يَرى ولا يُرى.

اتهاماتٌ مباشرة للفصائل الإيرانية التي تختبئ خلف تشكيلٍ صار قوةً شرعية في الدولة، اسمه الحشد الشعبي ويضم تحت جناحيه مقاتلين إيرانيين وعراقيين موالين لـ طهران.

يقول الناشط الصحفي “رداد العواد”: «لا أستبعد ضلوع إيران في عمليات القنص تلك، لأن أفراد وعناصر الشرطة هم من أبناء العراق، أما قوات مكافحة الشغب فهي تابعة للأحزاب الإسلامية الموالية لـ طهران».

اتّهام إيران بالوقوف وراء تجنيد قناصة لقتل المتظاهرين، يؤكّد عليه البرلماني السابق “مثال الألوسي” الذي أوضح في تصريحٍ صحفي «انتشار قناصين في أماكن متعددة بالعاصمة بغداد، استهدفوا المتظاهرين وقوات الشرطة على حدٍّ سواء».

“الألوسي” اتّهم بشكلٍ مباشر قائد فيلق القدس “قاسم سليماني” ومستشارو السفارة الإيرانية بإدارة ملف القناصين وما أسماها بـ شبكات قتل المدنيين «بهدف خلط الأوراق» حسب قوله.

خلية الإعلام الأمني العراقية، من جانبها، رصدت حالات قنصٍ أسفرت عن مقتل وإصابة مدنيين وعسكريين في التظاهرات التي شهدتها بغداد وعدة مدنٍ عراقية، لكنها لم تكشف عن هوية الفاعل.

انتشار نبأ وجود القناص المجهول، دفعت بـ قيادة عمليات بغداد، لإصدار بيانٍ أشبه ما يكون بفيلمٍ من إنتاج (هوليوود) عندما قالت:  «إن الجهد الاستخباري في القيادة حاول اعتقال قناصٍ في إحدى مناطق بغداد كان يستهدف المتظاهرين، لكنه تمكّن من الفرار إلى جهةٍ مجهولة».

أما السلطات العراقية، فأخلت مسؤوليتها عن حوادث القتل، إذ أعلنت قيادة العمليات المشتركة في العراق، «عدم وجود أيّ أوامر لاستخدام العنف ضد المتظاهرين، وإن قوات الأمن تحمي المتظاهرين والممتلكات من المندسين الذين يحاولون تخريب البلد».

موقف السلطات العراقية دائماً ما يبقى قوياً في ظل وجود ذراعٍ إيراني في العراق  يضاهي قوة دولة العراق ذاتها، فلا مُتّهم بحوادث القتل والتهديد بوجود تدخلٍ إيراني في جميع مفاصل الحياة العراقية.

“زياد أبي ذر” صحفيٌ عراقي تمكّن من الفرار خارج بغداد بعد تهديداتٍ بتصفيته جسدياً لدوره في توثيق ما يحدث في العراق من قمعٍ متعمّد بحق المتظاهرين.

يقول في اتصالٍ هاتفي مع الحل: «معظم القوات الأمنية التي شاركت في قمع المتظاهرين، هم أفرادٌ من ميليشيات حزب الله، الخراساني، النجباء والعصائب الموالية لـ إيران».

«هؤلاء ارتدوا زي القوات الأمنية ومكافحة الشغب وانتقموا من المتظاهرين في اليوم الأول من اندلاع الاحتجاجات، هذه الميليشيات واضحة في تعاملها مع مَنْ تسميهم بالبعثيين والدواعش، هي تتبع لطهران وتُنفّذ ما تُملي عليها الأخيرة» يُضيف “أبي ذر”.

أما فيما يتعلّق بالقناصين الذين يقتلون المتظاهرين، فيقول: «هذه الميليشيات لا تحتاج للاختباء لتنفيذ ما يُملي عليها أسيادها، فهي قتلت وتقتل في ضوء النهار ولا تخشَ أحد، حتى وزارة الداخلية لا تملك أية سلطة عليها».

أما الناشط الميداني “جبار الحمود” الذي شارك منذ أول تظاهرة وأسعف العديد من الجرحى، قبل أن يغادر بغداد، يقول في اتصالٍ مع الحل: «عندما وقع أحد المتظاهرين بالقرب مني وهو غارقٌ في دمه، لم يكن هناك وجودٌ لقوات الشرطة ولا أي عناصر من قوات مكافحة الشغب».

يُضيف: «كنا مجموعة شباب من أعمارٍ مختلفة ونردّد شعارات ضد الفساد، بالقرب من ساحة التحرير، قبل أن يقع شابٌ على وجهه وهو ملطّخٌ بالدم، رأيت مكان الإصابة، كانت في الجبهة من الجهة اليسرى تحديداً».

رواياتٌ متعدّدةً وحوادثٌ أكثر تعدّداً، هي حكاية العراقيين المُنتفضين في وجه الفساد والتدخّل الإيراني في شؤون بلدهم الذي غالباً ما ينزف منذ أعوام  تحت تأثير رصاصة قناصٍ مجهول، سواءً قبل التّظاهرات أم أثناءها، أو حتى بعدها، وكَم قتيلٍ آخر سيقع في العراق الإيراني، ودائماً يبقى القناص مجهولاً.

—————————————————————

تنويه: أسماء جميع الصحفيين والناشطين الذين تحدّثوا للحل العراق، هي أسماءٌ مستعارة بطلبٍ من أصحابها، خوفاً من الملاحقة الأمنية.


 


مقالات أخرى للكاتب

علق على الخبر

الرابط القصير للمقال: https://iraq.7al.net/2A6UZ