الماكينة الإعلامية الإيرانية.. تفاصيلٌ تكشف ما يحصل في كواليس الفضائيات في العراق

Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram
Share on email
Share on whatsapp

ريان جلنار

في العراق وحده، توجد مُؤسّسات ومنصّات إعلامية تفوق عدد المؤسسات والمنصات في دول المنطقة مُجتَمِعَةً، باستثناء مصر، تتقارب معها في العدد، لكن ما يفرق أن الأخيرة أغلب مُؤسساتها ومحطاتها تتناول السينما و#الدراما_المصرية والفن والثقافة، أما في #العراق، فمجملُها تتناول السياسة، وأغلبها تُرَوّجُ لخطاب الكراهية بدفعٍ من الخارج، على اعتبار أن تلك المحطات تعود مرجعيتها إلى الخارج لا الداخل.

في العراق وحده، توجد أكثر من 55 محطّة فضائية، وأكثرَ من 43 وكالة إخبارية، وكذا ما يزيد عن الـ 62 محطة إذاعية، غالبيتها (الجارفة) تعود مملوكيّتها إلى إيران، تُمَوّلُها وتفرض عليها الخطابات التي تُوجّهُها للجمهور، فالمعروف أن المؤسّسات الإعلامية في العراق لا تعرف الاستقلالية، هي إِمّا أن تكون مملوكة للأحزاب الحاكمة، أو شخصيات متحالفة مع تلك الأحزاب (رجالات أَعمال سُنِّيَّة)، أو تكون خاضعة للحشد الشعبي وإيران، والأخيرة هي الأكثر عدداً وانتشاراً.

ترسيخ لفكرة المُؤامرَة

يقول ”سامر أحمد“ وهو (اسمٌ مستعار) لأحد الصحفيين العاملين في محطة عراقية، «إن الخطاب الذي توجّهه مُؤسّستنا الإعلامية التي أعمل بها مذ سنتين وقليل، هو خطاب مُخطّطٌ لهُ سلَفاً، إذ غالباً ما يرتكز في الأساس على #نظرية_المُؤامرَة (الإسرائيلية – الأميركية) وتهديدهما للأمن الوطني للبلاد، لذلك دائماً ما تراها تكرّر ذات الحديث مذ سنوات (دون ملل) وحتى يومنا هذا، مُحاولَةً من خلاله إقناع الشارع العراقي، بخاصّة الشيعي منه بتلك الفكرَة».

ويُضيفُ لـ ”الحل العراق“، «وعند الأزَمات التي تطرأ على السطح، يتم الاجتماع برؤساء تلك المؤسسات (بضمنها المؤسسة التي أعمل) من قبل ساسة الأحزاب الإسلامية، وعلى وجه الخصوص المُقرّبة من إيران والكبار في #الحشد_الشعبي في أحد بيوت القادة بشكل عاجل من أجل رسم السياسة التي تفرض على المؤسسات تنفيذها لتوحيد الخطاب المُوَجَّه من جميع تلك المؤسسات حتى يقتنع الجمهور بذلك الخطاب ويُصدّقه».

مُبَيِّناً، «وذلك يتضحُ جلِياً عبر الأزمة الأخيرة حول تصريح الشيخ يوسف الناصري بحل #الجيش_العراقي وإحلال الحشد مكانه، إذ قامت مؤسّستنا بإنتاج تقرير تلفزيوني، يتهم فيه المدونين والصفحات في مواقع التواصل الاجتماعي ومحطات التلفزة الأُخرى (غير الخاضعة لإيران) تتهمهم جميعاً بأنهُم افتَعَلوا تلك القصّة بتحريك من أجندات خارجية تمتثل للمشروع (الصِهيو – أميركي) المُحرّض على إكراه الحشد الذي قدّم التضحيات للوطن».

تلقينٌ للمظلوميَّة الشيعيَّة

فيما يقول مُدير سابق لإحدى المحطات الإذاعية المملوكة لفصيل في الحشد الشعبي مُقرّبٌ من #طهران، إن «التوجيهات التي تأتينا بشأن نوعية الأخبار التي يجب علينا اختيارها وتمريرها في نشرات الأخبار، تصلنا بتوصيات من قيادات إيرانية كُبرى، لذلك في الكثير من الأحايين تجد إذاعتنا تفتتح نشراتها الإخبارية بعناوين رئيسة عن #إيران، تتقدم أحياناً حتى على أخبار بلَدِنا الأُم (العراق)».

«تعمل إيران جاهدةً لترسيخ المظلوميّة (الشيعيّة) في ذهن المُتلقٍي، لذلك هي تضرب على الوتر الحسّاس لدى الجمهور المُتابع لهذه المحطّات، أَلا وهو (المذهبيّة) والعقيدة، فتحاول تلقينها له كُلّياً لتُلَهيّهُ عن الموضوعات الأُخرى الأكثر أهمية، بدليل أنها لم تولي تظاهرات صيف العام المنصرم في البصرة أيّما اهتمام يُذكَر، إنَّما ذهَبَت لترسيخ مبدأ المؤامرة والمُخطّط الخارجي لاستهداف الشيعة من خلال تلك المُظاهرات»، يُضيف.

ويُوضّح لـ ”الحل العراق“، «كل المحطات (الإذاعية والمُتَلفَزَة) تجاهلت التظاهُرات تجاهُلاً مقصوداً، وكما أسلَفت حاولَت تأكيد المُؤامرة (السعودية – الإسرائيلية) بأنها هي من افتعلَت تلك التظاهرات لأجل اسقاط مدن الشيعة بيد (داعش)، واستغلّت ذلك خير استغلال في قضية حرق #القنصليّة_الإيرانية في #البصرة، فأمسَت نشراتُها تتراكض في تغطية ذلك الحدث في الوقت الذي هي لم تلتفت للتظاهرات طوال مدة ما قبل حرق القُنصليّة».

يعتقد الكثير أن الخروج عن مسار الفكرة فكرة مغلوطَة، لكن في أحايين عدَّة يكون الخروج عن المسار مقصوداً لأجل ايضاح ما يدور في الباطن من أمور وقَضايا تكون مجهولَة لديه، وتلك النقطة بالذات تكون الأكثر تشويقاً وصدمَةً في الوقت نفسه لمن لا يعرف ما يجري في الخباء، ولعلَّ ما سَيُكشَفُ في أدناه مُباشرَةً سيُوضّحُ للمُتلقّي وجوه المُتنفذّين والمُسَيطرين على مُؤسّسات الإعلام (الإيرانية) الناطقة بالعربيَّة على حقيقتهم ويكشف المَستور.

لِمَن تَرضى (بالمُتعَة) الأَولوّية في العَمَل

يقول باسل محمود وهو (إسم مُستعار) إعلامي في إحدى محطات التلفزة، «إن رأس الهرم الذي يدير المحطة التي أعمل بها (عَبدٌ) للأكبر منه (الإيراني) الذي يُموّل المحطَّة والذي يُشرف على سياسة توحيد الخطاب الداعم لإيران في هذه المحطة وبقية المحطات الممولة إيرانياً، طردَني من عملي، وأَتى بـ (أُنثى) مَحَلّي، بعد أن شرطَ عليها (زواج المُتعة)، وبالفعل وافقَت، وفي اليوم التالي تم توظيفها مُباشرة رغم أنها تفتقر لأدنى مقوّمات العمل الإعلامي».

مُستطرداً، «ليسَ بالضرورة أن تعمل مع تلك المحطات، معنى ذلك أنك مقتنع بتوجهها وايديولوجيتها، لكنها المعيشة، وفي وقتنا هذا تلك المؤسسات الممولة إيرانياً هي المُسَيطرة على المشهد والمستحوذة عليه، فما باليد حيلة إلاَّ اللجوء لها».

في السياق، تقول (لمى عامر) اسم مستعار لإعلامية عراقية، لـ ”الحل العراق“، «عندما كنتُ أبحثُ عن عمل في مجال تخصُّصي (الإعلام) ذهبتُ لطلب العمل في إحدى القنوات الفضائية (التابعة لإيران)، رُحِّبَ بي واستَبشَرتُ خَيراً، لكن ما أن تمَّت المُقابلة حتى صُدِمت من طلب مدير الفضائية، بأنه إن كُنت راغبة في الوظيفة فَـ عَلَيَّ القبول بـ (زواج المُتعَة) مع الرأس الكبير المشرف على الفضائية، (إن وافقتِ، فوظيفتكِ ستتوفَّر حالاً) هكذا قالها لي علانيَّةً، لكنَّني رفضت، ولم أقبَل».

مُستطردَةً، «يبدو أن أصحاب الفضيلة والمُدَّعين في الأخلاق والزُهد، شغلهُم الشاغل هو الجنس والجسد لا غير، فبعد رفضي للعمل في الفضائية التي تقدّمتُ لها، ذهبتُ لأُخرى، والعجب كُلّ العجَب، أنه ذات المطلب السابق طُلِبَ منّي في هذه الفضائية أيضاً، ليتضح لي بكل بساطة، أن الإعلام المملوك لإيران وأحزابها الإسلامية هو مكان للعُهر والدعارة السرية في غُرف تلك المؤسّسات، ومكان للدفاع عن المظلومية والتضحيات وتلقين الخطر والمُؤامرة الأميركية للمُشاهد البسيط».

زعزعَة الأَواصر بين الشعب، وزرع الكراهية

بعد 2003 مع هامش حرية في الإعلام غير متعودين عليه، ظهرت العديد من وسائل الإعلام التقليدية (صحف وإذاعات مسموعة، وقنوات تلفزيونية أرضية وفضائية) بمسميات مختلفة، لم يركز المتلقي على من يقف خلفها، كونه ما زال يعيش حالة الصدمة والانبهار والتحول الكبير الذي لم يكن مهيّئ  له، كونَ ما قبل التاريخ المذكور لم تكن هناك محطات (بصرية) سوى اثنتَين و 5 صحف بارزة وإذاعات محدودة، جميعُها تنطق بما يُريده نظام صدام حُسين وقتذاك.

لذلك لم يركز المُتلقي على ما في الإعلام نتيجة صدمتهِ بالانفتاح، فلم تُحلّل تلك الخطابات سوى النخب الأكاديمية (الإعلامية)، وفي هذا الشأن، يقول الأستاذ الجامعي (كمال محي الدين) الذي اختار لنفسه اسماً مستعاراً خوفاً على حياته وعائلته «كانت المضامين التي تنشر وتبث من تلك الوسائل ذات تأثير كبير على المواقف والاتجاهات وأدت إلى سلوك وأفعال تسببت بموجات من العنف المحلي، وزعزعت أواصر العلاقة بين مكونات #الشعب_العراقي وأدت إلى زرع الكراهية والحقد بين أفراده، حتى بات البلد بيئة غير صالحة للتعايش بين مكوناته».

«بمرور الوقت بدأت النخب تعي مدى خطورة الإعلام وتأثيره الكبير على النسق القيمي، الذي لم يصمد وأخذ ألتآكل ينال من العديد من القيم الإيجابية التي يتضمنها، لذلك ظهرت أهمية الدراسات الإعلامية، وهي الوحيدة القادرة على فك شفرات هذا الوافد الجديد»، يُبيّن التدريسي في كلية إعلام بغداد لـ ”الحل العراق“.

مُشيراً، «من خلال عديد الدراسات الإعلامية التي اعتمدت المنهج العلمي وجدنا أن هناك من يقف وراء هذه المنصات الإعلامية لتحقيق غايات وأهداف مخطط لها مسبقاً، وأبرزها (إيران)، وجدناها راعية للعديد من وسائل الإعلام التقليدية، عبر أدواتها في العراق والمتمثلة فيما يطلق عليه (محور المقاومة) مستغلة حالة اللااستقرار في البلاد».

«إن اشتراطات الفوز في الصراعات اليوم أصبحت مختلفة، ولعل أهمها وسائل الإعلام المؤثرة في مواقف واتجاهات الرأي العام، وبما أن الغلبة في العراق اليوم للمكون الشيعي الذي يشترك مع الجارة إيران في المعتقد الديني، هذا ما سهل على الأخيرة السيطرة والهيمنة على الإعلام من خلال أدواتها المتمثلة في (الأحزاب الإسلامية الشيعية) المهيمنة على السلطة»، يُضيف.

ويتساءَلُ مُجيباً، «لماذا سيطرت إيران على هذه المحطات الإعلامية، فالسبب بسيط جداً، وهو عدم امتلاك مُديريها للحس الوطني، لا بل صرحوا في حال المفاضلة بين العراق وإيران، سوف يقفون بجنب الأخيرة. باختصار، الدين والمعتقد لهما أولوية في أجندة الشيعي لا تسبقهما فيها أية اعتبارات أخرى، ولا حتى الوطن».

مُؤسّسات (خائنة) تُضَلّل الرأي العام

في كل العالم، كل دولة تبحثُ عن مصالحها في الدول الأُخرى، لذلك هي تسعى للوصول بشَتّى الطرقُ، سواءً عبر الاتفاقات الثُنائية أو العُقود التجارية أو غيرَها، المُهم هو الحصول على مصالحها التي تُريدها في هذه الدولة أو تلك، وهو حق مشروع طالَما لم يمُس السيادَة، لكن إيران لا تبحث عن المصالح، إنَّما عن إعادة مشروع (الدولة الصفوية) بطريقة (حداثيَّة)، وما تدَخُّلها في شؤون دول الجوار (التي يسكن فيها الشيعة) دون غيرها من الدول إلاّ دليل على ذلك.

يقول ”غيث التميمي“ الباحث في الشأن العراقي، إن «الفرق بين إيران وبقية الدول في العراق، أن الدول جميعها تبحث عن مصالح لها في بغداد، إلاَّ إيران، ليس لديها مصالح فيه، لديها مشروع للهيمنة، تريد بوساطته احتلال العراق بطريقة قانونية عبر استخدام العراقيين أنفسهم لتمكين خامنئي من بسط نفوذه على العراق».

ويُضيف، «لذلك تستخدم طهران أدوات النفوذ والهيمنة في العراق، وأدواتها هي (الدين، والتمييز الطائفي بين المكونات)، و تلكُما لا تتمان إلا عن طريق الإعلام، لذلك هي وجَدَت وسائل الإعلام عبر الأحزاب السياسية الخاضعة لها، وتلك المؤسسات الإعلامية، هي مؤسسات (خائنة) ومسؤولة عن تضليل الرأي العام العراقي وتبرير النفوذ الإيراني وهيمنته على مُقدَّرات العراقيين،

«لذلك يجب أن تخضع تلك المؤسسات الإعلامية للقانون العراقي ولسيادة العراق، بخاصَّة إن كانت تلك المؤسسات ذات خطاب عقائدي، لا خطاب تحليل ومُراجعـة»، يُنهي التميمي، حديثه مع ”الحل العراق“.


علق على الخبر