(بَدْرة) العراقيَّة (إيرانيّة) المُنتَجات.. حربٌ من نوعٍ آخر على العراقيين

حرقُ النخيل وتجريفها، وكذا قطع المياه، كُلّها أساليب قامَت بها إيران على تلك البلدة الحدودية التابعة للعراق، من أجل خنق القضاء وتصفيره من المنتوجات الزراعية والثروة الحيوانية، حتى يُجبر الأخير (#العراق) على فتح منفذه الحدودي أمام مُنتجات طهران الزراعية.

————————————————

ريان جلنار

هُناك، في شرق #الكوت (مركز مدينة واسط) وعلى بعد 75 كم من المركز، تقبع إحدى أهم البلدات الحدودية في محافظات الجنوب العراقي المُتاخمة لإيران، هي بلدة #بَدْرة، أو قضاء “بَدْرة”، الذي يضم ناحيَتَيْن تخضعان إدارياً له، ناحية #جصّان في اتجاه الجنوب، وناحية #زرباطية شمالي القضاء، واللائي يَضُمَّنَّ نحو /14/ قرية تتوزع في تلك البقعة الجغرافية التي تبلغ 52 كم2.

سابقاً، حينما يُذكر اسم “بَدْرَة”، كانت ترتسم في أدمغة العراقيين صور البساتين والتمور، و #نهر_الكلال، مُباشرَةً، فهي مذ خليقتها تشتهر بتمورها النادرة، ونهرها (الخالد)، كانَت أميز أنواع #التمور تُصَدّر إلى أرجاء العراق برمّته، ذلك أنها تمتاز بأصناف نادرة من أنواع التمور، لا تجدها إلاّ في ذلك القضاء، ومنها (البرحي، المكتوم والقيطاز وجمال الدين، بالإضافة إلى البربن).

اليوم، لا تكاد تجد دُكّاناً واحداً من دكاكين تلك “البَلدة يبيع تلك التمور، إذ لم تعد “بَدْرة” تُنتجُها، فبساتينُها أَمسَت شاحبة، ونخيلها شاخ وهرم، والكثير منه جُرِفَ والبساتين نفسها حُرِقَتْ، وذلك ليسَ بمنأى عن “الكلال”، فالنهر أيضاً جف تماماً، بعد أن كانَ يمد تلك البساتين كلُّها، قطعَت عنه #إيران المياه، لأن مياهه تصله منها، فما عادَ الكِلال هو الكلال، وما عادَت البساتين هي ذاتُها البساتين المعروفة منذ القدَم.

نهر (الكلال) عام 2012- إنترنت

مليار متر مُكَعَّب من المياه إلى أين؟

يقول ”جعفر عبد الجبار“، قائم مقام “بَدْرة” لـ ”الحل العراق“، إن «القضاء يُعاني منذ سنوات فاقُت العَقد بـ 6 أعوام من شحّ المياه، ذلك لأن الجارة إيران، قَطَعَت حصَّة القضاء من المياه التي كانت تجري في نهر “الكلال”، 16 سنة والنهر شبه جاف، لا تجده صيفاً سوى بقعة جغرافية من التُراب، إلاّ عند الشتاء يتنفّس لمدة تقل عن الـ 20 يوماً، فقط في تلك المدة الوجيزة تعود المياه إلى النهر من كل عام».

«وحتى في تلك المُدّة التي تسمح فيها إيران بتدفّق المياه إلى القضاء، فيها مضرَّة أكثر مما تجلبها من منفعَة لنا، إذ أن حكومة طهران، لا تفتح المياه عن طيب خاطر؛ بل تفتحها على مصراعَيْها، نتيجَة #السيول والفيضانات الغزيرة التي تجتاح “إيلام” (محافظة إيرانية تُحاذي قضاء بَدْرة العراق)، فتتسبّب بأضرارٍ ضخمة، مّا يؤدي إلى أن تضطرّ إيران بتصريف مياهها نحونا، للمحافظة على سلامة أهلها، ولكن قوة السيول تلك تتسبَّب في غرَقِنا وفيضان البلدَة بالكامل»، يُضيف عبد الجبار.

ويُكمل، «20 يوماً، تتخلّص إيران من سيولها، ونتضرّر نحن من مياهها التي تُرسلها لنا، كل ذلك يحدث في كل فصل شتاء من كل عام، والحكومة العراقية خرساء، صامتَة أمامَ ما يجري، ولا تصغي لنداءاتنا وصَيحاتِنا التي هزعت أرواحنا من تكرارها، لا هي تستجيب ولا الحكومة المحلية في المحافظة تُحرّكُ ساكِناً، والضحية هم نحن أهل هذه البلدة، قُرى بالكامل تُغرَق، وأَسواقٌ تُغلَق، والحياة تنقطع، 3 أسابيع من الطوارئ نعيشُها في تكرار سنوي اعتَدنا عليه».

عبد الجبّار يُبيّنُ، أن «نهر الكلال في السابق، كانَت المياه تتدفّق عليه بنحو 31 متر مكعّب في الثانية، أي نحو مليار و 152 ألف متر مكعب في السنة، أما اليوم، فلا تتدفّق على النهر سوى 3 متر مكعب في الثانية، وهي في فصل الشتاء فقط، أما في الصيف فتنعدم، مليار متر مكعّب من حصتنا من المياه نفقدها، لأن الجارَة قطعَتها عَنّا، وبَنَت النواظم والسدود، وأبرزها سَدّا “كنجان جم” و”كافيرور” اللائي تسبّبا بجفاف “الكلال”، ليتحول النهر إلى أرضٍ صَحراء».

مياه نهر (الكلال) جفّت بعد حجز المياه خلف السدود الإيرانية- إنترنت

حَجز مياه “الكلال” من قبل حكومة روحاني، أثّرَ على مجمَل الفصول الحياتيّة في قضاء “بَدْرة”، إذ سُرعان ما انعَكَسَت نتائجُها السلبية على حياة الناس الذين يقطنون تلك البلدة وقراها المجاورة، بخاصّة أصحاب البساتين والأراضي الزراعية، تعطيش متعمّد للبساتين والأراضي الزراعية، وحرق لشجر النخيل، إلى درجة جعل مجمل أهالي البلدة يهجرونَها، بخاصة أولئك الذين يقطنون ناحية “زرباطية”، هَجروا الناحية إلى مركز المحافظة وكذا العاصمة بغداد بحثاً عن لُقمة العيش.

حرقٌ وتجريفٌ مجهولٌ (أَمنِيًا) معروفٌ (شَعبِياً)

«يوجد في بَدْرة، ونواحيها وقُراها الكثير من البساتين، ولذلك فإن لقبُها بـ  ”مدينة التمور“ لم يأتِ اعتباطاً أو من عبَث»، يقول مدير الموارد المائية في واسط ”أمان فرحان“.

وُيُبيّن لـ الحل، «يصل عدد بساتين البلدة نحو 64 بُستاناً، كُلُّها كانَت تُنتج أجود أنواع التمور وأطيبها طعماً، لكن هذا في السابق، كانَت تُنتج المدينة حوالي 23 طن من التمر موسمياً، واستمر إنتاجُها حتى قطع إيران المياه عن القضاء مذ 15 عاماً تقريباً».

أشجار النخيل في (بَدْرة) بعد انقطاع المياه- إنترنت

مُشيراً إلى أن «تلك النسبة من الإنتاج تراجعت كثيراً، وبنسبة (مُخيفَة) إذ تراجعَت إنتاجية التمور في إحصائية محافظة واسط عام 2018  نحو 94 ٪، أي بما يمكن القول أن الإنتاج بات صِفراً، إذ لم تعد توجد محلاّت للتمور في القضاء الحدودي، ولم يعد في البلدة مُزارعين، كلهم تحولوا إلى الجانب الصناعي، وتركوا قطاع الزراعة، وبعضهم سلكوا طريق الهجرة إلى محافظات البلاد الأُخرى».

لافتاً، «فضلاً عن ذلك كُلّه، كان لحرائق البساتين وتجريف #النخيل، الدور الكبير في انقطاع التمور، إذ وعلى امتداد السنوات الثلاث الماضية ما قبل هذا العام (2015 – 2018) تم حرقُ أكثر من 27 بُستاناً، كلُّها جرَت في مواسم الصيف من السنوات الآنفة الذكر، وإلى يومنا هذا لم تعثر قوات الأمن المحلية على المُتسبّبين، جميعُها سُجّلَت ضد مجهولين، 27 بُستاناً حُرق، ونحو /5347/ نخلة جُرّفَت، وتُسجّل ضد مجهول، بينما الحقيقة الواضحة للجميع، أن إيران هي من قامَت بها».

حرقُ النخيل وتجريفها، وكذا قطع المياه، كُلّها أساليب قامَت بها إيران على تلك البلدة الحدودية التابعة للعراق، من أجل خنق القضاء وتصفيره من المنتوجات الزراعية والثروة الحيوانية، حتى يُجبر الأخير (#العراق) على فتح منفذه الحدودي أمام مُنتجات طهران الزراعية، ليكون مُتَنفّساً لها طالما تُعاني الأولى (إيران) من #العقوبات_الاقتصادية المفروضة عليها منذ فرض نظام الفقيه سيطرته على الحكم في #طهران.

رئيس لجنة الزراعة في مجلس محافظة واسط ”هاشم العوادي“- إنترنت

أرضٌ إيرانيّة وسيادةٌ عراقيّةٌ شكليّة

«تُعرف بَدْرة بأنها منطقة زراعية خالِصَة، إذ يوجد فيها نحو /3128/ دونم من الأراضي الزراعية، جلُّها كانَت تنتج أغلب المحصولات الزراعية، من مثيلة (الرقي، الباذنجان، الباميا، الخيار، وحب عُبّاد الشمس، والطماطم)، هذا غير الخُضراوات والفواكه كـَ (الفجل، الرِشّاد، البُرتقال، والرُمَّان)، كُل تلك المحصولات كانت تُنتجها المدينة، بل وكانَ يزيدُ عنها فائضاً يتم تصديره إلى المحافظات الجنوبية المُجاورة»، يقول رئيس لجنة الزراعة في مجلس محافظة واسط ”هاشم العوادي“.

ويُوضح لـ ”الحل العراق“، «كل تلك المنتوجات اندَثَرَت، وما عادَت هُناك زراعة في القضاء، والأراضي الزراعية باتَت أرضاً يابسة، نتيجة سياسات إيران بقطعها لمياه نهر الكلال، هذا فضلاً عن خسائر #الثروة_الحيوانية، إذ كانَت تنتشر على بقاع هذه البلدة ”الدَجاج، والبَط، والأغنام، والأبقار“، جُلُّها لم تعد موجودة الآن في البلدَة، فالأراضي الزراعية اليابسة لا يُمكنُها أن تُعنِيَ تلكُم الأنواع من العيش، طالما هي أرض خاوية، وطالَما المياه غير موجودة».

ويضيف «اليوم حقَّقَت طهران كُل ما تبتغيه في تلك البلدة، فبعد أن قطعَت شريان حياتها (الماء) أمسَت اليوم، تلك البلدَة عبارة عن أرض إيرانيّة ذات سيادة عراقيّة بالشكل فقط، تتخذ حكومة روحاني منها منفَذاً حدودياً مهماً لتصدير مُنتجاتها الغذائية والاقتصادية، وباتَت أسواق البلدَة تعتاش على المُنتجات الإيرانية من لحوم وفواكه وخضراوات وأَلبان، ولا تجدُ مُنتَجاً (زراعياً) واحِداً يُدَلِّلُ على عراقيَّة بدرَة القديمَة».



مقالات أخرى للكاتب

علق على الخبر

الرابط القصير للمقال: https://iraq.7al.net/5ZN9d