عن الذين (يُميتون) أنفُسهم بحثاً عن الأضواء المأفولة

علي الكرملي

يتدافعون الواحد تلوَ الآخر، ويتزاحمون لأجل كسب أكثر ما يمكن من مشاعر الجمهور لصوبهم، غير مكترثين بعواقب الأمور، ولا مَعنِيّين بتقدير كينونَة وذات كل شخص من ذلك الجمهور المتفاعل مع الخبر المنتشر عنهم، والذي سُرعان ما يظهر زيفه.

كأن قلوب بنات وأبناء هذا البلد (على اختلاف أعمارهم) المفجوعة والمستمرة بالانكسار مذ ما يزيد عن /39/ عاماً قد خلَت من مآسي الحروب وجراحات التفجيرات وفقدانات الإرهاب لا تعنيهم شيئاً، ولا تمس مروءتهم للتفكير بما ستجرّه أنباء وفاتهم، تعرضهم لحوادث، أو إصابتهم بمرض خطير، عليهم من أحزان وآلام لا تندثر ولن تندمل.

هكذا هُم بكل بساطة، يشترون حاجياتهم التي يرغبونها على حساب الناس دون تفكير، يسلكون أفظع الطرق طالَما فيها شهرتهم، هكذا هم بعض فناني ومُطربي هذا الجيل، الذين يُعلنون ويدّعون (زيفاً) خبر مماتهم أو مرضهم، وما شابه ذلك.

الكاتب والصحفي “عبد الله سلام”- أرشيفية

تسويقٌ للنفس

«عادةً ما يستخدم المشاهير طرق عدة لتسويق الذات، فما يقوم به بعض الفنانين والمطربين وأهلُ الشهرة، هو ليس إلا أحد تلك الطرق التسويقية المستحدثة في عالم السوشيال ميديا، طرقٌ تحاكي الجانب النفسي للجمهور، باستمالتهم عاطفياً، وإثارة الخلايا العصبية، وحثها على ضرورة التحرك سريعاً للولوج إلى ما بعد العنوان، لمعرفة ما حدث لفلان»، يقول الكاتب والصحفي “عبد الله سلام”.

ويُضيف، «حتى لو لم يكن ذو شهرة من الأساس، يمكن أن نقول إن الغاية من تلك الأفعال، تكمن بـ ما بعد عنوان خبر الحادثة، بإعلان الاسم المراد تسويقه بفعل الواقعة في ذهن أكبر عدد من المستهدفين، هذا فضلاً عما سيحققه فيما بعد من إثارة للرأي العام، سواء كان مع أو ضد ما تم التسويق له، فالفكرة وقتها تكون قد اكتملت وانتشرت بشكلٍ أوسع».

«كما تستخدم تلك الأساليب والطرق في الغالب، عندما يتم أُفول نجم قد ذاع صيته، أو دخول نجم جديد إلى خانة المشاهير، تمكّن من إطفاء النجم الأول، فيُصار حينها اللجوء لمثل تلكُم الطرق، كي تُحتم على المتلقي العودة من جديد إلى النجم الأول»، يُشير “سلام في حديثه” لـ موقع الحل.

حوادث موت ومرض أهل الشُهرة، باتَت ترتقي فعلياً نحو الظاهرة، فهي قد ازدادَت بفرط لا معقول في الآونة الأخيرة، وليس في العراق وحده، بل في كافة الدول العربية، لكن ما يفرق أن في العراق تقبع تلك (الظاهرة) في خانَة الذكور فقط، إذ لم يُسمَع يوماً أن فنانة عراقية مشهورة قَد ذيعَ نبأ وفاتها أو مرضَت، وتم تكذيبه فيما بعد، لا وجود لذلك إلاّ مع الذكور، وأولئك الذين يفتعلون تلك الأشياء، «لا ريبَ أنهم يعانون نفسياً» وفق رأي الباحثين النفسيين.

الباحث النفسي ”قصي الحسن“- أرشيفية

إشباعٌ للنقص

يقول الباحث النفسي ”قصي الحسن“، إن «مثل هذه الموضوعات تدخل في خانتَين، الأولى هي خانة المؤشرات العقلية للفنانين من خلال نشر الدعايات الكاذبة والرخيصة، والثانية تدخل في خانة مُؤشرات الشخصية للفنانين أنفسهم، إذ منهم من يفكر في تحقيق هدف شخصي من خلال الدعاية له، ومنهم من يعاني من الهزيمة في حياته الفنية، إضافة إلى من يرغب بالحصول على النقد أو سرد المقالات من قبل المختصين بعد سماع نبأ وفاته».

«يدخل موضوع الإعلان عن الوفاة (الكاذب) من قبل بعض الفنانين في الإطار السيكولوجي للإنسان، وله مدلولات اجتماعية كذلك، ففي الجانب النفسي يأتي من أجل إشباع النقص الذي يعانون منه في حياتهم الفنية، أما الجانب الاجتماعي، فهو لتحقيق الشهرة لأوسع مدى ممكن، ومن وجهة نظري، فإن القسم الأعظم من أولئك الفنانين والمشاهير الذين (يكذبون) يعانون من اضطراب القلق النفسي، وكذا يعانون من تراكم الأفكار (الوسواسية) السلبية في حياتهم العملية والاجتماعية في الحياة»، يُضيف.

ويلفت لـ موقع الحل، «هذا ولا ننسى مسألة (النرجسية) في شخصية الفنانين التي هي مهمة جداً؛ لأنهم دائماً ما يحبون أنفسهم كثيراً، ويرغبون في جذب الانتباه نحوهم كثيراً من خلال الإعلام والدعايات الكاذبة، وهذا يعتبر في المحصلة النهائية من ضمن الشخصيات  التي تعاني من اضطراب نفسي داخلي، واضطراب اجتماعي خارجي».

لقَد أَمسَت مواقع التواصل الاجتماعي الشغل الشاغل لجل من في المعمورة، بخاصة أهل الشهرة، إذ أن أغلبيتهم يتهافتون لأجل حصد المُتابعات الأكثر لحساباتهم الخاصة، لكن تلك الأفعال باتَت تسلك طرقاً دنيئة، بل وحتى فقَدَت المنافسة الشريفة في ذلك، ولعل ما رافق الأنباء الكاذبة عن تعرض الفنان ”سيف نبيل“ قُبَيلَ أيامٍ وجيزَة لحادث سير خير دليل على ذلك.

صورة الحادث التي انتشرَت ليلة الاثنين المنصرم، سُرعان ما تبيَّنَ أنها من تحضيراته لألبومه الغنائي الجديد، وقد سرَّبها لصفحات التواصل أحد مُقرّبيه، وبقِيَت المواقع مشتعلة وجمهوره في حالة قلق إزاء ذلك النبأ، وفي انتظار التطمينات، لكن الفنان لم يرد  على اتصالات الجميع إلاّ في صباح اليوم التالي تحت ذريعة أنه كان نائماً ولا يعلم بالأمر، ولا بكل تلك الضجّة التي انتشرَت كالنار في الهشيم.

الفنان العراقي ”أحمد طعمة التميمي“- أرشيفية

لا يستحقون الرثاء

يقول الفنان العراقي ”أحمد طعمة التميمي“، إن «السوشيال ميديا، هي فضاء واسع يبهرج به من هب ودب، لكل وسيلة سلبياتها، ومن سلبيات السوشيال ميديا هي الصفحات الوهمية التي تُمَوّل من أجل نشر الشائعات، والشائعات قاتلة أحياناً، يُثيرها الكاذب، وينشرها المنافق ويصدّقها صغار العقل».

«في بعض الأحايين يتعرّض الفنانون إلى مثل تلك الشائعات التي تُنشر عنهم، إذ هناك الكثير من المغرضين الذين يريدون الحصول على أعداد هائلة من الإعجابات، لذلك يبثون الشائعات، وهم ذاتهم الذين يكذبونها، ويرجح ذلك لأجل استقطاب أعداد هائلة من المتابعين باعتبار تلك الصفحات هي الأسرع في نقل الأحداث والأخبار»، يُبيّن طعمة لـ موقع الحل.

مُستطرداً، «لكن لو بحثنا قليلاً في العمق، لوجدنا أن أغلبية الفنانين هم وراء ذلك، فالكثير منهم من يريد أن يعتلي القمة، ويسلك طرق مختصرة للشهرة، لكنهم لا يعلمون أن السقوط أسرع، فطريق النجاح وعر وملتوٍ يحتاج إلى الصمود ونثر البذور حتى تثمر الأعمال، وذلك يحتاج إلى الكثير من التعب والسهر والمغامرة، فضلاً عن الفشل مرات عدة، فأساس الفشل هو النجاح، لقد ذهب عمالقة الفن فنهايتنا حتمية، يتساقطون واحدا تلو الآخر، لكن أعمالهم الخالدة هي من تبث الروح فيهم».

«يبدو أن غزو وسائل الاتصال، لعقَ عقول أغلبية الفنانين، معتقدين أن في إثارة خبر موتهم قياس لمعرفة صداهم بين جمهورهم أو ماذا يقال عنهم بعد الموت، ومن يبكي بحرقة، ومن يشمت بذلك، لو يعلموا لما كتبوا ذلك، فالرثاء يجيدُه الكثير من المتملقين الذين لم يروا إليهم عملاً واحداً حتى، الأموات الكاذبون لا يستحقون الرثاء»، يردُف طعمة.


 


مقالات أخرى للكاتب

علق على الخبر

الرابط القصير للمقال: https://iraq.7al.net/Mtytt