ديالى.. صندوق (الميليشيات) الأسود والعودة إلى زمن الطائفية

«الأحداثُ الأخيرة كانت الضّربة القاضية بالنسبةِ للأهالي، فالصّبر قَدْ انتهى مع وجودِ عناصر تدَّعي أنها تُمثّل قوة الدّولة في القرية، إلا أنّ أفعالها لا تقلُّ إجراماً وهمجيةً عن أفعالِ تنظيمِ داعش».

——————————————–

بغداد ـ وسام البازي

لعل محافظة ديالى العراقية، هي أكثر مدن البلاد اضطراباً منذ 16 عاماً، إذ لم تهدأ هذه المدينة بالرغم من توافد #الأفواج_العسكرية عليها من كل حدبٍ وصوب، واحتضانها العديد من الصنوف الأمنية بقدرٍ يفوق طاقتها الاستيعابية بعشرات المرات، لدرجة أنها المحافظة العراقية الأكثر تعقيداً بما يرتبط بأمورها الأمنية، فهي المدينة المختلطة التي تضمُّ #السنة و #الشيعة و #الأكراد وعدد قليل من الأسر المسيحية التي لولا تدني حالتها الاقتصادية وظروفها المعيشية الصعبة لما بقيَّت، بحسب مصادر محلية ومسؤولة من داخل #ديالى.

قبل احتلال تنظيم #داعش المدينة التي تمثل الفاصلة بين #بغداد والحدود مع #إيران، فهي حارسة البوابة الشرقية للبلاد، تكالبت عليها عصابات تكفيرية وأخرى متطرفة طائفية، منها جماعة “التوحيد والجهاد”، وتنظيم #القاعدة وما يُعرف بـ”فرق الموت”، ناهيك عن تغلغل “جيش المهدي” الذي قاده زعيم التيار الصدري #مقتدى_الصدر، إلى أن انتهت حقبة الطائفية بمقتل الإرهابي الأردني #أبو_مصعب_الزرقاوي، فيها، بغارة أميركية.

مع ذلك لم تستقر، فالحملات الطائفية استمرت مع توغل فصائل مسلحة إلى مركز الحكومة المحلية، وأبرزها #منظمة_بدر التي يتزعمها #هادي_العامري القريب من إيران، واستمرار حملات التهجير وفرض الاتاوات وتضييق الخناق على السكان الأصليين للمدينة، وغالبيتهم من المكون العربي السني، إلى أن داهم عناصر “داعش” ديالى، في ليلة ظلماء، وتبخرت كل الصنوف العسكرية التي لطالما حاصرت المدينة، ولتسقط وقتذاك عشرات القرى والنواحي بيد داعش، وتبدأ بعدها مرحلة جديدة من الحكم المستبد على الأهالي، حتى انتهى التنظيم منتصف عام 2017، بعد مشاركة غالبية الفصائل المسلحة التابعة للحشد الشعبي، الطامحة بموضع قدم في المدينة، مع #الجيش_العراقي وأجهزة أمنية نظامية أخرى.

أبو الخنازير.. ليست جديدة:

في الواقع، إن ما تمَّ تداوله عما حدث في قرية #أبو_الخنازير ذات الغالبية السنية، ليست جديدة أو الوحيدة، لأن مناطق شمال شرق بعقوبة (مركز ديالى)، خاصة (الحوض والكبة وأبو كرمة والمخيسة ومحيط المقدادية)، تسيطر على ملفها الأمني، فصائل مسلحة (حشد شعبي)، وكل فصيل يستلم منطقة، وبدوره يسعى إلى تنفيذ مخططاته سواءً كانت سياسية أو عسكرية أو اقتصادية، ناهيك عن تضييق الحريات وفرض اتاوات على أصحاب المحال التجارية من التجار ورجال الأعمال، وهي ما تُعرف محلياً بـ”الخاوات”.

“علاء مزهر”، /اسم مستعار/ وهو أحد قاطني القرية، أشار إلى أن «ميليشيات مثل بدر و #عصائب_أهل_الحق، متورطة بمقتل أكثر من 6 مدنيين من القرية بعد احتجازهم في ظروف غامضة، ومن ثم اعدامهم».

مبيناً لـ”الحل العراق”، أن «حالات النزوح التي حدثت لم تكن بأوامر من الميليشيات إنما بسبب القلق الشعبي في القرية، فالعوائل فضَّلت اللجوء إلى بغداد أو #إقليم_كردستان بحثاً عن الأمان، وما أشيع عن تهجير عوائل بالمئات هو أمر مبالغ فيه، ولكن حالات النزوح وصلت إلى أكثر من 40 عائلة فقط، وغالبيتها مُهددة بالفعل من قبل الميليشيات، وبعضها فقدت أفراداً منها، بسبب الاعدامات التي حصلت».

ولفت إلى أن «غالبية أسباب مقتل ومحاصرة المدنيين وأرزاقهم، بسبب عدم اعطاء الاتاوات التي تفرضها الميليشيات على الأهالي، أو التأخر بسليمها للمندوبين التابعين للمسلحين».

وبشأن نيَّة الميليشيات بالسيطرة على الأراضي الزراعية التابعة للأهالي، أكد أن «الميليشيات تسعى لذلك، لكنها لم تجبر أحداً على ترك أرضه».

مصادر محلية أخرى من سكان قرية “أبو الخنازير”، قالت لـ”الحل العراق”، إن «الأحداث الأخيرة كانت الضربة القاضية بالنسبة للأهالي، فالصبر قد انتهى مع وجود عناصر تدَّعي أنها تُمثل قوة الدولة في القرية، إلا أن أفعالها لا تقل اجراماً وهمجية عن أفعال تنظيم داعش».

اجتماعاتٌ تخلَّف اعترافات:

عقب حادثة اعدامات المواطنين في “أبو الخنازير”، اجتمع عدد من قادة الفصائل ونواب عن محافظة ديالى ووجهاء وأعيان من المدينة، لبحث مجريات الواقعة، التي أسماها صحافيو ديالى بـ”المجزرة الطائفية”، وعلى اثرها ضاعت حقوق المقتولين وانتهى الأمر بكلمة لزعيم “بدر” هادي العامري، الذي قال فيها، إن «الاستقرار والانسجام بين أهالي ديالى لن يرضِ الجميع بل يسعى البعض أن يرجعها إلى المربع الأول، وان هناك من يتصيد في الماء العكر ويدفع الاموال لعودة الطائفية إلى ديالى».

وأعلن براءته من «أي شخص يريد عودة الطائفية ونخشى من بعض الجهلاء وأمراء الحروب الذين يسعون الى إعادة الطائفية في ديالى»، مطالباً في الوقت «نواب ديالى من السنة والشيعة بموقف موحد وادانة بعد حصول أي عملية ارهابية».

هذا التعليق المطاط، ليس ما أراده أهالي القرية من المتضررين، إلا أنهم أجبروا عليه، مع التزام الصمت وعدم التصريح لأي وسيلة إعلامية، في حين استقرت القوات الأمنية النظامية في المدينة على تسمية قتلة المدنيين، بأنهم عناصر يتبعون “ميليشيات منفلتة”، ولم يصدر أي قرار يتعلق بمعاقبة أي جهة، عدا استبدال عناصر سيطرة أمنية (نقطة تفتيش)، اتهمت بأنها سمحت لعناصر الميليشيا المنفلتة بالمرور نحو المدينة.

مع العلم أن مواطن من قرية “أبو الخنازير”، بيَّن لـ”الحل العراق”، أن «المجرمين الذي قتلوا أهالي القرية، كانوا يرتدون ملابس عسكرية وهم أكثر من خمسة أفراد، بسيارات مضلَّلة وأرقامٍ حكومية».

وهذه التفاصيل لا يملكها غير عناصر #الحشد_الشعبي، الذي يتمتعون بحرية كبيرة في تنقلهم على اعتبارهم جهاز أمني نظامي.

ويبدو أن شعور قيادة الجيش العراقي بالأسى على ضحايا الإجرام الطائفي في القرية، دفع رئيس أركان الجيش غانم الغانمي، أمس الاثنين، إلى الإعلان عن أنه سيتم تعيين 100 شخص من أهالي قريتي (أبو كرمة وأبو خنازير) ضمن السلك الأمني من أجل حماية مناطقهم، وهو ما أثار سخرية واسعة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، معتبرين أن قرار التعيين الجديد، هو تحصيل حاصل ولن يوقف انتهاكات الميليشيات.

الحشد لعناصره: انضبطوا..!!

القائد في الحشد الشعبي بمحافظة ديالى “عمار الأنصاري”، قال لـ”الحل العراق”، إن «كل مؤسسة عسكرية تحتوي على عناصر غير منضبطين، ونحن نعرف أن بعض العناصر التابعة لبعض الفصائل تتجاوز على المواطنين وتسعى إلى استحصال الأموال منهم بطريقة الاتاوة، ولكننا نعاقب المتورطين بهذا الأمر».

ولفت إلى أن «التوجيهات الجديدة التي وصلتنا من بغداد، هو التعامل بحزم مع عناصرنا المسيئة للمواطنين، مع العلم أن غالبية عناصر الحشد الشعبي في محافظة ديالى هم من أهالي المحافظة نفسها، وهو ما يعني أن الأفعال المسيئة التي تطال الأهالي تأتي من أبناء المدينة الذين لابد من معاقبهم».

ليس أخيراً، بدأت رائحة الخلافات السياسية عقب حادثة “أبو الخنازير”، تؤثر على العلاقات السياسية والارتباطات الحزبية، إذ أن تحالف القوى العراقية (السني)، الذي دخل الانتخابات البرلمانية الماضية ضمن تحالف “البناء” (الشيعي)، يبدو أنه باشر بمراجعة حساباته من أجل الانفصال، والعودة مرة أخرى إلى التقوقعات الطائفية والمذهبية.

 

الصورة الرئيسة تعبيرية- أرشيف

——————————————————————


مقالات أخرى للكاتب

علق على الخبر

الرابط القصير للمقال: https://iraq.7al.net/VgfFX