«المحيبِس» التي كسَرَت تابو «الطائفية» في العراق رَمَضان 2008.. كيف اجتمعت الأعظمية والكاظمية؟

القوات الأميركية التي كانت متواجدة في العراق، كانَت تُراقبُ الوضعَ في تلك الليلة من الجَو (أعلى جسر الأئمَّة) بالمَناطيد، تَحَسُّباً منها لأيِّ طارِئ، وذلك أبرز مُؤشِّر على حساسية الأجواء في تلك الفترة.

——————————————————

بغداد – علي الكرملي

في كل عام من شهر رمضان، تجري في #العراق العديد من الطقوس والعادات، وكذلك المُسابقات، ولعل من بين أهم الاشياء الثابتة الحضور في ذلك الشهر هي لعبة «#المحيبس»، التي يلعبها العراقيون كفرق متضادَّة مناطق ضد أخرى، بل ومُحافظات مع محافظات.

قبل 11 عاماً، وبالتحديد في رمضان (2008) كان الوضع مختلفاً آنذاك، إذ كانت #الحرب_الطائفية في أوج اشتدادها بين (سُنَّة العراق وشيعَتِه)، في ذلك العام وأبان التخطيط لـ كيفية تنظيم لعبة «المحيبس» في ظل الظروف الراهنة، ذهبَت محطَّة البغدادية الفضائية التي تبث وتنقل مباريات اللعبة إلى خيار جريء، إجراء أولى حلقات «لعبة المحيبس» في رمضان ذلك العام فوق #جسر_الأئمّة.

يربط جسر “الأئمة” بين منطقتي #الكاظمية (الشيعية) و#الأعظمية (السنية)، وتضم الأخيرة مرقد الإمام #حنيفة_النعمان، أما الأولى فتضم مرقد #الإمام_الكاظم، وفي تلك السنوات كان الوضع سجال بين المذهبَيْن، خسِرَ العراق الآلاف من أبنائِهِ بسبب تلك الحرب الأهلية (المُدُمِّرَة)، وبالتالي فإن إقامة لُعبَة بين الطرفين في ذلك الحين كانَت مسألة موت مُحَتّم.

ضياء مصطفى، رئيس معدِّي البرامج السابق في محطَّة البغدادية

تابو الطائفية يُكسر

ضياء مصطفى، رئيس معدِّي البرامج في محطَّة البغدادية وقتذاك، والذي هو من اقترَحَ الفكرة على الأعضاء، يصِفُ حالَة الكادر حينما تفوَّهَ بها امامهم بالقول: «كانوا مرعوبين، خائفين، جلُّهُم اعترضوا ولم يُوافِقوا، حتى أن مدير المحطَّة أشَّرَ لي بأصابعهِ بما معناه أن أَخْرَس»، «لكن فيما بعد جلستُ مرَّات ومرَّات مع مدير المحطَّة حتى أَقنَعتُهُ، تمَّ التنسيق مع القوات الأمنيّة حينها، وتم الاتفاق على إقامة اللعبَة وتصويرها»، يضيف مصطفى.

«تم نصب الأجهزة والمعدَّات والديكور والأمور الأخرى تجهيزاً لتصوير أولى حلقات «المحيبس» في أول أيام رمضان، استغرقَ الوقتُ 11 ساعَةً (من الرابعة عصراً إلى الثالثة فجراً)»، يقولُ مصطفى.

ويُضيف «وصلَ الفريقان إلى الجسر بعد الإفطار مُباشَرَةً، كلاهُما ذَهَبا نحو الإنشاد بأهازيج ضد الطائفية (إخوان سنَّة وشيعة.. هذا الوطن ما نبيعَه) بتلك الأهازيج استقبَلا بعضهما بعضاً».

«كانَت تلكَ الليلة، هي الأَهَم في حياتي، فقَد نجَحت ورفاقي في كَسر تابو #الطائفيَّة التي كانَت تنخرُ بالمُجتمع يومئذ، وجمعناهم على جسر الأئمَّة الذي كان مُغلقاً منذ نشوب الطائفية عام 2005 وحتى تلك اللحظَة، 3 سنوات والمنطقتَين لا جسرَ يربطهما في العبور نحو بعض والتواصل، والشيء المُهِم أنه بعد تلك الليلة بأيام قلائِل تم فتح الجسر للناس، وذلك كان أكثر من تصوّراتِنا»، يلفُت مُصطفى، مُعِد تلكَ الحلقة في حديثهِ لـ «الحل العراق».

جاسم الأَسوَد، اللاعبُ الأوَّل في لعبة «المحيبس» في العراق

اعتذار بَعْدَ الاندهاش

جاسم الأَسوَد، اللاعبُ الأوَّل في لعبة «المحيبس» في العراق يتحدَّث عن تلكَ الحلقة ويقول، «لم أكُن أتصوَّرُ أنَّها ستخرُجُ بتلكَ الحُلَّة والإطلالة، بل لم أُصَدِّق أنَّ تلكَ الليلة قد مرُّت على سلام وبكل هدوء، ويَعلو ذلك الحُب والفرَحُ بين المنطقتَين اللتين لم تجتمعا سَوِياً طوال سنوات ثلاث، كانَت ليلَة منَ العُمر».

«شخصيّاً كُنتُ خائفاً جداً، حتى أنَّني تكلَّمتُ بِظهر ضياء مصطفى بأنه (قد فقد عقله) ويريد أن يصنعَ (بطولات) على حساب حيواتِنا، لم يكُن ما قلتُهُ مُبالغة أو غُلُو، ولكن الواقع والجو العام في تلك المُدَّة هو من يتحدَّث، البشر تسيل دمائِها في الشوارع في كل دقيقة، والناسُ تُقتَلُ على الهويَّة (المذهبيَّة)، وهُوَ يجازفُ تلكَ المُجازفة لأجل أن يجمعهما دون التفكير بالعواقب»، يُبَيّنُ “الأسوَد” لـ «الحل العراق».

«لكن ما حدثَ هُوَ العكس، أجواء مُفرِحَة، وكلا الفريقَيْن يأخذُ بعضهُما الآخَرَ بالأحضان، والابتسامات ترتسِمُ الوُجوه»، يُشير “الأسوَد”.

موضِّحاً «الأمر المُدهشُ في تلك الليلة، هو قيام الناس من كلا المنطقتين بالعبور نحو بعضهما وتناول الطعام وشُرب العصائر في مطاعم وحدائق المنطقتَين (أهالي الكاظمية يعبرون نحو الأعظمية، والعكسُ كذلك)، بعدَ تلكَ الحلقة ذهبتُ في اليوم التالي نحو مصطفى وحدَّثتُه بما قلتهُ عنهُ في ظهره واعتذرت لأنه صنع ما عجزت عنه الحكومة».

المُمثل العراقي جاسِم شرَف

القوات الأميركية تراقب المشهد

المُمثل العراقي “جاسِم شرَف” (الذي أُسنِدَتْ لهُ مهمَّة تقديم الحلقَة حينئذ) يقول لـ «الحل العراق»، «لَمْ وَلَن أَنسى تلكَ الحلقَة وتلكَ الليلَة، وكيف استطعنا أَن نخلَعَ ثيابَ الحُزن ونستبدلُها بثيابَ الفرَح، فـ في داخل كُلِّ مِنَّا حزنٌ لَم يَندُمِل حتى اللحظة منذ تلك الفترة العصيبة التي زهقَت أرواح الكثير من اولادنا الأبرياء وافتَكَتْنا، لذلك كانت تلك الحلقَة من عظائِم ما فعلتُ في حياتي».

«إلى الآن ما زلتُ أتذكَّر الأوضاع في تلك المُدَّة الزمنيَّة، وحتى في تلك الليلَة، لم تَكُن تلكَ الليلَة هادئة كُلِّياً، فـ #القوات_الأميركية التي كانت متواجدة في العراق، كانَت تُراقبُ الوضعَ في تلك الليلة من الجَو (أعلى جسر الأئمَّة) بالمَناطيد، تَحَسُّباً منها لأيِّ طارِئ، وذلك أبرز مُؤشِّر على حساسية الأجواء في تلك المدَّة، لكن ما يهُم هو أنَّنا تحدَّينا كل الظروف ونجَحنا باقتدار، ولذلك كُنتُ ولا زلتُ أفتخَرُ بَِوني قَدَّمَت الحلقة في تلك الليلة»، “شَرَفْ” يُضيف.

من بغداد إلى القاهرة

الكاتب العراقي والسيناريست “حامد المالكي”، يتحدَّث لـ «الحل العراق»، عن تلك الحلقَة قائِلاً: «كُنتُ وقتها في #القاهرة بـ #مصر، وحينَ جاءَ رمَضان وَعُرِضَت الحلَقَة، كنتُ جالِساً في إحدى مقاهي القاهرة بالزمالك، وشاهدتُ الحلقَة مع سائر من كانَ حاضراً في المقهى، عُرِضَت الحلَقَة من جسر “الأئمّة”، وهنا كانَت الصَدمَة، فلم نكن نتصوَّر قَط أن تُصارَ أول حلقة وأول لُعبة بين أبرز منطقتَيْن للطائَفَتَيْن (السُنِّيَّة والشيعيَّة) تُمَثل كل واحدة منهُما الطائفة المُتصارعة مع الأخرى – ولا حتى في الخيال ».


الصورة الرئيسة أرشيفية


مقالات أخرى للكاتب

علق على الخبر

الرابط القصير للمقال: https://iraq.7al.net/8Hkpr