مشكلة رواتب إقليم كردستان في ظلّ تأويلات المادة (10) من قانون الموازنة

أربيل- زياد أحمد علي

تزامناً مع تشكيل الحكومة العراقية الجديدة برئاسة عادل عبد المهدي، في تشرين الأول 2018، وتَرقُّبِ تشكيل الحكومة الجديدة في إقليم كُردستان، بدأت بوادرُ انفراج عدد من المشكلات العالقة بين بغداد وأربيل بالظهور، وتزامن معها اختلاف في تأويلات الجهات ذات العلاقة بتلك المشكلات.

ورغم أهمية وأولوية تلك المشكلات كلها، فإن بعضاً منها بصدد أن تدخل حيّز التنفيذ باتخاذ الإجراءات الكفيلة بمواصلة ذلك الانفراج، وإن كان بصورة نسبية وبطيئة في المرحلة الراهنة، بسبب العقبات الكثيرة التي تعترض سبيله، وبسبب اختلاف التأويلات المتعلقة ببنود المواد القانونية ذات الصلة.

وجدت المباحثات المطولة والعديدة بين أربيل وبغداد طريقاً نحو حل بعضٍ من تلك المشكلات، ومنها مشكلةُ ميزانية إقليم كُردستان، ورواتب موظفي الإقليم ومستحقات قوات البيشمركة، التي تسببت منذ الشهر الأول من عام 2014 بأزمة اقتصادية عانى الإقليم ولا يزال يعاني تبعاتها وآثارها، إلى أن اتخذت الحكومة العراقية الجديدة قراراً إن استمرّ تنفيذ مضمونه فإنه قد ينعكس بصورة إيجابية على الأوضاع الاقتصادية، المعيشية والسياسية في إقليم كُردستان، وعلى العلاقات الثنائية بين بغداد وأربيل.

صورة تعبيرية أرشيفية

تأويلات المادة (10)بالتوازي مع قرار الحكومة العراقية، بإرسال رواتب موظفي إقليم كردستان ومستحقات قوات البيشمركة، رأى بعض أعضاء مجلس النواب العراقي أن ثَمّة احتمالاً يقضي بتراجع بغداد عن إرسال الميزانية ورواتب الموظفين والبيشمركة والعودة إلى توقيف الميزانية من جديد، إنْ لم تلتزم حكومة الإقليم تسليم 250 ألف برميل من النفط يومياً للحكومة الفيدرالية، في إشارة منهم إلى أن ذلك التسليم شرطٌ أساسي للاستمرار في إرسال الميزانية والرواتب.

ترى مصادر في حكومة إقليم كردستان أنه بحسب المادة (10) من قانون الموازنة العراقية لعام 2019، تكون حصة إقليم كردستان 10 تريليونات و844 مليار دينار، مقابل أن يلتزم الإقليم تسليم 250 ألف برميل نفط يومياً، للحكومة الفيدرالية، مقابل أن تلتزم بغداد إرسال مبلغ 454 مليار دينار شهرياً بصفتها رواتب الموظفين في الإقليم، ومبلغ 68 مليار دينار بصفتها مستحقات قوات البيشمركة.

لكنْ إن لم يرسل الإقليم تلك الكمية أيضاً، فإن بغداد ستلتزم إرسال رواتب موظفي الإقليم وقوات البيشمركة، بما تُقدّر بمبلغ 522 مليار دينار عراقي شهرياً، وهو ما أكده بعض المسؤولين في الحكومة العراقية وفي مجلس النواب العراقي وكذلك في حكومة إقليم كُردستان.

وقد أكد نائب رئيس وزراء العراق للشؤون الاقتصادية، وزير المالية فؤاد حسين لوسائل الإعلام “أن صرف تلك الرواتب لن يتوقف”، مؤكداً أنه “مثبت في الموازنة الاتحادية” مشيراً إلى أن “حصة إقليم كردستان من الموازنة العامة تبلغ نحو 10 تريليون دينار، لكن المبلغ الذي تمّ صرفه هو رواتب الموظفين، أما القسم الآخر فلم يتمّ صرفه”.

بيّنَ وزير المالية في الحكومة العراقية أن النصف المتبقي من حصة الإقليم “مرتبط بتسليم 250 ألف برميل نفط” يومياً، لكنّ مسألة تسليم النفط وعائدات تلك الكمية منه لا تزال عالقة بين أربيل وبغداد، ولم تحسم بعدُ، رغم أن هناك تأكيداتٍ على استئناف المفاوضات في وقتٍ قريب بين الجانبين للتوصل إلى حلٍّ يرضيهما، ويوجب عليهما التزام الاتفاق الذي يمكن أن يتمّ بعد ذلك، حيث يتوقع المراقبون أن عملية استئناف المفاوضات تتوقف على تشكيل الحكومة الجديدة في إقليم كردستان، خلال الفترة القريبة.

وبحسب المعلومات الصادرة عن مصادر في حكومة إقليم كُردستان فإن الإقليم يحتاج إلى مبلغ 881 مليار دينار عراقي لصرف رواتب الموظفين ومستحقات وزارة شؤون البيشمركة في الإقليم، في كل شهر، أما المبلغ الذي تقدمه الحكومة الفيدرالية لإقليم كُردستان فهو 520 مليار دينار فحسب، بفارق 361 مليار دينار يحتاجه الإقليم حتى يستطيع استكمال المبلغ الكافي لصرف تلك الرواتب والمستحقات.

يرى آخرون أن مسألة رواتب موظفي إقليم كردستان ومستحقات قوات البيشمركة، لم تُحلَّ بصورة نهائية، بل إنها لا تزال عالقة، وتتوقف على مدى التزام الإقليم تنفيذ مضمون البند (ج) من المادة (10).

عضو اللجنة المالية في مجلس النواب العراقي، عبد الهادي السعداوي- أرشيفية

وبهذا الصدد صرّح عضو اللجنة المالية في مجلس النواب العراقي، عبد الهادي السعداوي لـ (الحل العراق) أن “تنفيذ مضمون المادة (10) يتوقف على التزام إقليم كردستان إرسال كمية 250 ألف برميل نفط خام يومياً، عن طريق شركة (سومو)، إلا أن عدم التزام الإقليم تطبيق هذا البند يعني عدم دخول بنود هذه المادة حيّز التنفيذ”.

 السعداوي أكد لـ (الحل العراق) أن “الحكومة الفيدرالية غير ملزَمة بإرسال الرواتب والمستحقات إنْ لم تلتزم حكومة الإقليم تنفيذ مضمون البند (ج) من المادة (10)، حيث ينص على أن يُستقطع مبلغ الضرر من حصة الإقليم في حالة عدم تسليمه الحصةَ المقررة من النفط وفق البند (أ) من هذه المادة”.

في حين أن البند (أ) ينص على أن “تلتزم حكومة إقليم كردستان بتصدير ما لا يقل عن 250 ألف برميل نفط خام يومياً..”.السعداوي أشار في حديثه لـ (الحل العراق) أن “الإقليم يصدّر 460 ألف برميل نفط يومياً عن طريق شركة جيهان، وأن واردات هذه الكمية توزَّع بين الحزبين الرئيسين في الإقليم، الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني”.

تفنيد مسألة ربط الرواتب بسِواها من المسائل:

إزاء التأكيد على وجوب التزام الطرفين مضمون المادة (10) ببنودها كاملة دون نقصان، وخاصة مسألة إرسال مستحقات الإقليم مقابل إرسال النفط إلى الحكومة الاتحادية، أكَّد عضو اللجنة المالية والاقتصادية في مجلس النواب العراقي، أحمد الصفّار، في تصريح خاص لـ (الحلّ العراق) أنَّ “المادة (10) من قانون الموازنة لعام 2019 نظّم العلاقة المالية بين الإقليم والحكومة العراقية، وأن الفقرة الأولى من هذه المادة تنصّ على أن تتمّ تسوية المستحقات بين إقليم كردستان والحكومة الاتحادية للسنوات 2004 حتى 2018” في إشارة إلى حل حاسم في موضوع تلك العلاقة، خاصة خلال سنة 2019، مع احتمال الاستمرار بعدها أيضاً، في حال نجح الطرفان في التوصل إلى خطة طويلة الأمد في هذا المجال.

أضاف أحمد الصفّار، لـ (الحل العراق) أنه بموجب الفقرة الثانية من المادة (10) “تلتزم حكومة إقليم كردستان بإرسال (250) ألف برميل نفط خام يومياً عن طريق شركة (سومو)، وتسلم الإيرادات إلى الخزينة العامة الاتحادية”.

مؤكّداً أنه بحسب ذلك قد “تمّ فصل مسألة الرواتب عن عملية إرسال النفط وأن وزارة المالية في الحكومة الاتحادية ملزَمة بإرسال رواتب الإقليم، شأنه في ذلك شأن المحافظات العراقية الأخرى” واستبعد ربط تلك المستحقات بغيرها من المسائل.

في السياق ذاته أكّد الصفّار، أنه وفق المادة المذكورة “تمّ تخصيص نسبة من مخصصات القوات البرية الاتحادية للجيش العراقي إلى رواتب قوات البيشمركة، بوصفها جزءاً من المنظومة الأمنية العراقية”، وهو ما نصّت عليه المادة (10) من قانون الموازنة.

إلا أن الأمين العام لوزارة البيشمركة، جبار ياور، قال في تصريحٍ صحفي سابق أنه “بموجب قانون الموازنة العراقية، يجب على الحكومة العراقية إرسال 68 مليار دينار شهرياً كمستحقات للبيشمركة، لكنها حتى الآن لم ترسل الرواتب عن أشهر كانون الثاني وشباط وآذار”، حيث يبلغ مجموع رواتب الأشهر الثلاثة 204 مليارات دينار، لم ترسلها بغداد بعد.

عضو اللجنة المالية والاقتصادية في مجلس النواب العراقي، أحمد الصفّار- أرشيفية

أما بخصوص احتمال وجود أو ظهور عقبات أو مصاعب أمام إكمال تنفيذ عملية إرسال الرواتب فقد أكّد عبد الهادي السعداوي لــ (الحل العراق) “أن ذلك يتوقف على مدى التزام الإقليم تنفيذ مضمون البند (ج) وهو ما لم يتمّ حتى الآن”.

في وقتٍ نفى أحمد الصفّار لـ (الحل العراق) أن تكون هناك مصاعب أو عقبات، خاصة في ما يتعلق بموازنة عام 2019، أما “إذا حدثت مشاكل فقد يكون لها تأثير في السنوات القادمة، لا في سنة 2019 التي أقرَّ في موازنتها إرسال مستحقات الإقليم”.

مشيراً إلى أن “اللجنة المالية في انتظار أن تبدأ الحكومة الجديدة لإقليم كردستان للتواصل بين الطرفين، للعمل على وضع خطة طريق للسنوات القادمة، بهدف تنظيم العلاقة المالية بينهما، لحلّ طويل الأمد في ما يتعلق بمسألة الرواتب والمستحقات”.

هذا اللغط الذي أحاط بموضوع الرواتب واحتمال توقيفها مرة أخرى، دفع نائب رئيس مجلس النواب العراقي، بشير حدّاد إلى التصريح لبعض وسائل الإعلام وتفنيد تلك الأقاويل التي تذهب إلى ذلك الاحتمال، ناعتاً إياها بأن وراءها مقاصد سياسية.

مؤكداً أن مسألة ميزانية عام 2019 لا ترتبط بمسألة تلك الرواتب، وهو نفسه ما أكّد عليه أحمد الصفّار لـ (الحلّ العراق) وخالفه عبد الهادي السعداوي في ذلك.

المشكلة ما بين البدايات والمآلات:

بدأت أزمة ميزانية الإقليم ورواتب الموظفين ومستحقات البيشمركة في عهد حكومة نوري المالكي منذ الشهر الأول من عام 2014، حيث اضطرت حكومة الإقليم إلى اعتماد نظام ادّخار رواتب الموظفين، خاصة بعد هجوم تنظيم داعش في 3 آب 2018، واستمرت الأزمة إبّان عهد حكومة حيدر العبادي.

إلا أن الحكومة العراقية الجديدة برئاسة عادل عبد المهدي، اتخذت بعض الخطوات التي من شأنها أن تفتح الأبواب على انفراج المشكلات العالقة بين الجانبين وحلّها، لكنّ بعض المراقبين ذهب إلى أن ذلك يتوقف على مدى الاستقلالية التي يمكن أن يحتفظ بها عبد المهدي في إصدار القرارات وعدم الرضوخ لتأثيرات جهات سياسية داخلية أو خارجية تريد الإبقاء على التوتر بين الحكومة الفيدرالية وإقليم كُردستان.

في حين يتفاءل كثيرون بأن تشكيل الحكومة الجديدة في إقليم كردستان، قد يكفل حلّ كثير من المشكلات التي لم تستطع الحكومات السابقة في أربيل وبغداد، معالجتها بصورة حاسمة.



مقالات أخرى للكاتب

علق على الخبر

الرابط القصير للمقال: https://iraq.7al.net/raHQc